يا لها من تراجيديا عبثية، تلك التي تُسمّى "العلاقات اللبنانية السورية"؛ حكاية جرحين في جسد واحد، يرفضان الالتئام، ويتغذيان على النكايات التاريخية، وعقد النقص المتبادلة. خطيئة البداية تكمن في الجغرافيا التي ظلمت البلدين، وفي ذهن الاستعمار الذي هندس الكيانات. عندما انطلق البطريرك إيلياس الحويك على رأس الوفد اللبناني الثاني إلى مؤتمر الصلح في قصر فرساي عام 1919، لم يكن يطلب مجرد حدود، بل كان يشيّد جداراً نفسياً يحمي الخصوصية اللبنانية من "البركان السوري" الهائج والممتد شرقاً.
ذهب الحويك ومعه قادة لبنانيون، تملؤهم الرغبة العارمة في الخلاص من إرث العثمانيين والخوف من الابتلاع الداخلي، متسلحين بوعود "سايكس بيكو" وفرنسا "الأم الحنون". كان الحويك يدوّن في تقاريره السريّة المرسلة إلى الفاتيكان وفرنسا تخوفه من "الذوبان في محيط مسلم يستمد تشريعه من دمشق". لكن هذه الرغبة اللبنانية قوبلت في دمشق بذهول وصدمة؛ فالمؤتمر السوري العام، والملك فيصل بن الحسين، والزعامات الدمشقية التقليدية، كانوا يرون في إعلان "دولة لبنان الكبير" عام 1920 طعنة في خاصرة "سوريا الطبيعية"، واقتطاعاً قسرياً لأقضية أربعة (البقاع، وطرابلس، وصيدا، وصور) تُعتبر امتداداً حيوياً واقتصادياً لدمشق وحلب، وكتب الملك فيصل في رسائله الخاصة أن "لبنان هو رئة سوريا التي تنفس منها، واقتطاعه هو خنق لدمشق وتلبية لشهوة مارونية عابرة".
هكذا وُلدت العلاقة على أساس التناقض الجذري؛ السوريون غارقون في نوستالجيا "بلاد الشام" الموحدة ويرفضون الاعتراف بـ"مسخ" الكيان الجديد، واللبنانيون منقسمون؛ طائفة مسيحية ترى في لبنان الكبير حصناً أخيراً للهوية، ونخب إسلامية وقومية (مثل رياض الصلح في بداياته وزعامات بيروت وطرابلس) ترفع راية الوحدة وترى في السرايا الحكومية ببيروت مجرد مخرز فرنسي في العين العربية.
جاء الاستقلال عام 1943، وخرج الانتداب الفرنسي، فظن السذج أن "الأخوة الجغرافية" ستثمر نضجاً سياسياً. لكن العقل الباطن السوري لم يستسغ يوماً فكرة السفارة والتمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وظلت دمشق تنظر إلى بيروت كأقرب المقاطعات الخارجة عن الطاعة. في عهد الرئيسين بشارة الخوري وشكري القوتلي، سرعان ما انفجر لغم "المصالح المشتركة" والجمارك والسياسات الاقتصادية؛ فلبنان كان يريد الانفتاح والتبادل الحر، بينما سوريا كانت تنزع نحو الحماية والسيادة الاقتصادية.
يعترف بشارة الخوري في مذكراته (حقائق لبنانية) بمواربة ملحوظة كيف كان يتعامل مع شكري القوتلي بنوع من التقية السياسية، حيث كان الاتفاق في العلن على "صيغة الميثاق الوطني وعروبة لبنان"، بينما كانت التقارير الأمنية اللبنانية السريّة تحذر من محاولات سورية مستمرة للاستحواذ على إدارة المصالح المشتركة لإخضاع بيروت، في حين أظهرت أوراق المكتب الثاني السوري (الاستخبارات) في عهد القوتلي نظرة مشوبة بالاحتقار للدولة اللبنانية، واصفة إياها بـ"وكر للتجسس الغربي وملاذ للمهربين".
التناقض اللبناني تجلّى في أبهى صوره: نخب تطالب بالحماية السورية في مواجهة الخصوم الداخلين، ونخب أخرى تحرّض الغرب ضد "العقل الإلحاقي" في دمشق. ولم تكن أحداث عام 1949 وإعدام أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلا فصلاً دموياً مشيناً من فصول هذا الرقص على حافة الهاوية. لجأ سعادة إلى دمشق هرباً من ملاحقة السلطات اللبنانية، فاستقبله حسني الزعيم—صاحب أول انقلاب عسكري في سوريا—بالأحضان والوعود العسكرية لقلب نظام الحكم في بيروت. وتكشف كواليس تلك الحقبة السريّة وعبر اعترافات وتدوينات الضباط المحيطين بحسني الزعيم ن تسليم سعادة لم يكن مجرد تراجع، بل كان صفقة بيع وشراء وثقها ديبلوماسيون عرب؛ إذ كان الزعيم بحاجة ماسة إلى اعتراف الدولة اللبنانية بنظامه الانقلابي الجديد، والضغط على فرنسا لتمرير اتفاقية "التابلاين" للنفط، فقبض ثمن رأس سعادة اعترافاً دبلوماسياً سريعاً وتسهيلات مالية من حكومة رياض الصلح وبتوجيه من بشارة الخوري.
أُعدم سعادة خلال ساعات في يوليو 1949 بعد محاكمة صورية سريعة بدافع الرعب اللبناني المشترك من تمدد الفكر القومي السوري المهدد للكيانين، فاهتز الوجدان السوري نكاية بـ"العجرفة اللبنانية"، ودفع حسني الزعيم ثمن هذه الخيانة برأسه في أغسطس 1949 إثر انقلاب سامي الحناوي تحت شعار غسل العار السوري، مما يثبت أن دماء اللبنانيين وصراعاتهم كانت دائماً وقوداً للمطاحن السياسية داخل دمشق.
إن قراءة أداء الرؤساء والقادة السوريين تجاه لبنان منذ عهد الانتداب والجمهورية الأولى وحتى العهد الانتقالي المعاصر تكشف تفصيلاً دقيقاً لخط بياني تحوّل بوضوح من "الهواية والتحريض الخارجي الخشن" إلى "الاحتراف والأدلجة الأمنية المطبقة"، وصولاً إلى "الانكفاء البراغماتي وحصر المصالح". في البدايات، اتسم أداء شكري القوتلي (رئيس سوريا 1943-1949 و1955-1958) بالدبلوماسية التقليدية المشوبة بالحذر، والتركيز على الملفات الاقتصادية والجمارك مع محاولات الضغط الاقتصادي غير المباشر، عادّاً لبنان ثغرة تجارية تهدد حمائية دمشق. تلاه عهد الانقلابات السريعة (مارس 1949 - 1954) مع حسني الزعيم، وأديب الششكلي، وسامي الحناوي، حيث تحول التعاطي السوري إلى الابتزاز السياسي المباشر، واستخدام المعارضين اللبنانين كأوراق ضغط، واختراق الحدود، وإبرام الصفقات السريعة قصيرة النظر مثل صفقة تسليم أنطون سعادة. ومع قيام الوحدة المصرية السورية (الجمهورية العربية المتحدة 1958-1961)، برز أداء عبد الحميد سراج (رئيس المكتب الثاني وحاكم الإقليم الشمالي الفعلي)، ومعه القيادة الناصرية؛ حيث تحول الأداء السوري في عام 1958 إلى التحريض الإيديولوجي العارم، والتمويل المالي الضخم، والتسليح اللوجستي الكثيف للمعارضة اللبنانية (صائب سلام، ورشيد كرامي) لإسقاط رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون وحلفه الغربي.
ورغم هذا الغليان، لم تجرؤ القوات السورية-المصرية على الاجتياح العسكري المباشر؛ فالقوة الأميركية كانت بالمرصاد عبر إنزال مشاة البحرية (المارينز) على شواطئ بيروت بطلب من شمعون، والظرف الدولي إبان الحرب الباردة وضع خطوطاً حمراء لم يكن عبد الناصر قادراً على تجاوزها، ناهيك عن أن الهدف لم يكن احتلال الكيان بل تعديل ميزان قواه لصالحه وصالح هويته العربية، لينتهي الصراع بتسوية عسكرية-دبلوماسية أنتجت معادلة "لا غالب ولا مغلوب" برعاية اللواء فؤاد شهاب.
أما المشهد فتبدل جذرياً مع صعود حافظ الأسد (1971-2000)، وهنا يبرز الفرق الشاسع والعميق بين ظروف المحطتين التاريخيتين (1958 و1976). في عام 1958، كان الصراع دولياً إقليمياً بأدوات محلية سعت لتعديل الميزان السياسي. أما في عام 1976، فالبلد كان يغرق في حرب أهلية طاحنة، ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات مع "الحركة الوطنية اللبنانية" بقيادة كمال جنبلاط كانوا على وشك حسم المعركة عسكرياً وإسقاط النظام لإنشاء "لبنان عربي تقدمي".
هنا دخل الثعلب حافظ الأسد إلى الحلبة؛ انقلب أداؤه من التحريض غير المباشر إلى شرعنة الوجود العسكري والسياسي كمؤسسة أمنيّة إلحاقية مطبقة. دخل بجيشه الثقيل عام 1976 تحت غطاء خطة "قوات الردع العربية" وبضوء أخضر أميركي وإسرائيلي (وفق تفاهمات الخط الأحمر الشهيرة للوزير هنري كيسنجر)، والمفارقة التاريخية الكبرى أن دخول الجيش السوري جاء بطلب واستنجاد من القوى المسيحية اليمينية (كميل شمعون، بيار الجميّل، سليمان فرنجية) التي كانت تخشى الإبادة والابتلاع الفلسطيني، وهي القوى نفسها التي كانت تاريخياً ترفع شعار مقاومة الوصاية.
قلب حافظ الأسد الموازين، وضرب اليسار والمقاومة الفلسطينية، واغتيل كمال جنبلاط عام 1977 بعد رفضه الانصياع، ليدشن الأسد مرحلة الوصاية الكاملة لثلاثة عقود. تحول اختيار رئيس الجمهورية اللبنانية وتشكيل الحكومات إلى طقس من طقوس الولاء التام لـ"عنجر" و"قصر المهاجرين"؛ وبات يُدار عبر نائبه عبد الحليم خدام ورئيس الاستخبارات غازي كنعان. وتكشف أوراق خدام السريّة كيف كان النظام يرى في الساسة اللبنانيين دمى طيعة، بينما يعترف الرئيس اللبناني الراحل إلياس الهراوي في مذكراته (عودة الجمهورية) بمرارة كيف أُجبر على توقيع معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق عام 1991، وكيف كانت أسماء الوزراء والنواب تُشطب وتُعدل بقلم غازي كنعان دون حق الاعتراض.
وعندما ورث بشار الأسد (2000-2011 كوصي فعلي) السلطة، افتقد إلى حنكة والده الباردة ولجأ إلى العجرفة والصدام المباشر والتهديد الفج للقيادات، وهو ما ظهر في تمديد ولاية إميل لحود قسراً عام 2004، والتهديد الشهير لرفيق الحريري ووليد جنبلاط: "سأكسر لبنان على رأسك ورأس وليد جنبلاط إذا عارضت التمديد". هذا الأسلوب قاد إلى انفجار اغتيال الحريري عام 2005، وخروج الجيش السوري ذليلاً بضغط الشارع والقرار الدولي 1559، لتتحول السطوة لاحقاً إلى إدارة أمنية عبر الحلفاء المحليين (حزب الله) حتى اندلاع الثورة السورية عام 2011 وسقوط النظام في الأمس القريب.
واليوم، ينعطف التاريخ بحدة ليصل بالدولة السورية الانتقالية إلى عهد رئيسها المعاصر أحمد الشرع. وإذا قمنا برصد التحول الأيديولوجي والسياسي والأدائي للرجل، نجد أننا أمام تحول تاريخي وبراغماتي خارق يختلف كلياً عن أسلافه؛ فالرجل الذي بدأ مسيرته تحت عباءة الفكر الجهادي المتشدد في تنظيمات القاعدة وحركة "هيئة تحرير الشام" مستخدماً اسم "أبو محمد الجولاني"، خلع عمامته وبزته العسكرية ليرتدي بذلة السترة الدبلوماسية الحديثة، ويطل من منبر معهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس" في لندن ليتحدث بلغة "رجل الدولة البراغماتي" المستنير، متمسكاً بسيادة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، وإجراء انتخابات ديمقراطية حرة حاسماً بأنه لن يورث الحكم لأبنائه، ومصرحاً بذكاء محنك: "نحن دفعنا ضريبة تدخل حزب الله في سوريا، وكنا حريصين على عدم وصول الصراع إلى لبنان".
هذا التحول الجذري في الأداء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ"شروط التمويل والاستثمار الأوروبي والخليجي"؛ فالدول المانحة الكبرى والعملاق الخليجي وضعوا دمشق أمام معادلة واضحة المعالم وصارمة تفيد بأنه لا أموال لإعادة إعمار سوريا، ولا كسر للعقوبات الدولية وقانون قيصر، ولا دمج في النظام المالي العالمي دون فك الارتباط الكامل مع المحور الإيراني، وضمان أمن الحدود مع لبنان وإسرائيل، وتفكيك شبكات السلاح والمخدرات.
من هنا تظهر المصلحة الحقيقية لأحمد الشرع في الانكفاء التام عن لبنان سياسياً وعسكرياً، والاكتفاء بالدور الأمني الحدودي الاستراتيجي؛ فالداخل السوري المدمر يحتاج لمئات المليارات، والقدرة العسكرية لجيشه الجديد ما زالت في طور التشكيل والدمج وبناء العقيدة، وهي منهكة وموجهة للداخل وتثبيت السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، ومجرد التفكير في مغامرة خارجية خارج الحدود هو انتحار سياسي مباشر، ولهذا سارع الشرع إلى نفي أنباء التدخل العسكري بحسم مؤكداً أن زمن الوصاية قد ولى، تزامناً مع تحذيرات تركية وإقليمية صارمة لدمشق من الوقوع في أي فخ خارجي.
أما الشطحة الأميركية التي يقودها دونالد ترامب، محاولاً إقحام أحمد الشرع في الساحة اللبنانية للمساعدة في مواجهة "حزب الله" أو تعبئة الفراغ وضبط الحدود، فهي نتاج عقلية "الصفقات التجارية والتلزيم الأمني". يريد ترامب استغلال حاجة الشرع الماسة للاعتراف الشرعي والمال الدولي، ليحمله فاتورة ضبط وتفكيك ترسانة الحزب على الحدود اللبنانية السورية، متجاهلاً تعقيدات الجغرافيا وسنن التاريخ السيادي. وفي خضم هذا الكباش الإقليمي المعقد، تبرز ملامح مرحلة جديدة تُصاغ تحت الطاولة وتنعكس مباشرة على التركيبة الداخلية للبلدين من خلال أبعاد وتطورات استراتيجية وعميقة:
أولاً، على صعيد الإدارة الحدودية المشتركة، يجري صياغة بنود أمنية بالغة الحساسية برعاية بريطانية-أميركية مباشرة، تلتقي في جوهرها مع تفاهمات التنسيق الأمني الرباعي (الذي يضم الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، والأردن). هذه الترتيبات لا تقتصر على نشر شبكة متكاملة من أبراج المراقبة التقنية المتطورة على طول الحدود الممتدة من عكار شمالاً حتى المصنع والمثلث الحدودي في البقاع، بل تتعدى ذلك إلى تأسيس غرف عمليات استخباراتية مشتركة ومراكز مراقبة ميدانية دائمة لتجفيف شرايين التهريب بالكامل.
وفي خط موازٍ، تقرأ دمشق خلفيات الموقف الإسرائيلي من هذه الترتيبات؛ حيث تشترط تل أبيب الرقابة اللوجستية الصارمة لضمان حظر السلاح الإيراني لإنهاء غاراتها الجوية، وهو ما يتقاطع بدقة مع الاستراتيجية التركية-الروسية المشتركة في مراقبة الشمال ومجمل المعابر لتثبيت هوامش صراعات النفوذ وقطع خطوط الفوضى الإقليمية.
ثانياً، تشكل هذه الالتزامات الأمنية حجر الزاوية في خيارات العهد الانتقالي في دمشق لتثبيت الشرعية الدولية ونيل الاعتراف والتمويل المالي؛ إذ يدرك أحمد الشرع أن طي صفحة الماضي يتطلب طمأنة المحيطين الدولي والإقليمي عبر تفكيك أوراق الضغط القديمة. غير أن هذا التبدل الجذري سيلقي بظلاله على سيناريوهات الداخل اللبناني بعد إقفال خط الإمداد البري بالكامل؛ حيث تتبدل التوازنات الأهلية، وتنقسم القوى السياسية اللبنانية بين معسكر معارض مبتهج يرى فرصة سانحة لاستعادة سيادة الدولة، ومعسكر حليف مذهول أمام حتمية مواجهة مراجعة مصير الترسانة العسكرية لحزب الله بعد قطع شريانها الخلفي. هذا الاهتزاز سيمتد حتماً ليؤثر في التوازنات الطائفية الدقيقة في لبنان، مهدداً ركائز صيغة التعايش الهشة، ومستدعياً نقاشاً عاصفاً حول مستقبل اتفاق الطائف الذي بُني في الأصل على وصاية دمشق وتوازنات إقليمية أصبحت اليوم جزءاً من التاريخ.
ثالثاً، إن الترجمة الحقيقية لهذا الانكفاء السياسي السوري ستعيد صياغة مستقبل العلاقات الاقتصادية والتجارية والمعابر بين البلدين؛ فالشرع الملتزم بشروط الإعمار الخليجية والأوروبية سيعمد إلى تنظيم صارم لحركة التبادل التجاري عبر المعابر الرسمية لضرب شبكات التهريب غير الشرعية والاتجار بالكبتاغون التي كانت تدر المليارات على أمراء الحرب في العهد البائد. هذا التنظيم سيجعل من التجارة البينية مصلحة اقتصادية بحتة قائمة على التبادل القانوني الجمركي بعيداً عن منطق الابتزاز السياسي أو الإلحاق الاقتصادي الذي عانى منه لبنان لعقود، بالتوازي مع رصد دقيق لأثر هذه التحولات الإقليمية على ملف النازحين السوريين وآليات عودتهم التدريجية في ظل العهد الجديد الذي يسعى لإعادة دمج البلاد في محيطها العربي، متطلعاً لدور فاعل لجامعة الدول العربية في رعاية هذه التفاهمات الاقتصادية والدبلوماسية المقبلة بين بيروت ودمشق لضمان الانتقال الآمن نحو استقرار مستدام.
إن القارئ السياسي الذي يقرأ هذا السرد والنقد التحليلي يدرك جيداً أن اللعبة التاريخية بين بيروت ودمشق قد تغيرت قواعدها بالكامل، لكن جوهرها يبقى واحداً؛ فمن استنجد بالأسد عام 1976 حصد وصاية أحرقت الأخضر واليابس، ومن يراهن اليوم على شطحات ترامب لإقحام أحمد الشرع في زواريب صراعاتنا الداخلية واهم ومتعامٍ عن الواقع. غاية ما يمكن للشرع أن يقدمه لترامب وللمجتمع الدولي هو "تأمين الحدود المشتركة" ومنع تهريب السلاح الإيراني، ليقبض مقابل ذلك ثمن عودة سوريا إلى المجتمع الدولي وكسر العزلة التاريخية. السياسة في هذه البقعة من العالم لا تصنعها النوايا الطيبة بل موازين القوى الباردة والقاسية؛ وعلى السياسيين اللبنانيين أن يفهموا، ولو لمرة واحدة، أن حماية الكيان لا تكون الا ببناء دولة حقيقية تخرج من زواريب الطوائف وتتوقف عن كونها صندوق بريد لرسائل الكبار.