جوزيف بوهيا

من فائض القوّة إلى تفاوض الخسارة

6 دقائق للقراءة
هنا يظهر الربح الأميركي

لا تُقرأ اللحظة الأميركية ـ الإيرانية من ضجيج التصريحات، بل من الوقائع التي رتّبتها. فالحرب التي بدأت في 28 شباط بضربات أميركية ـ إسرائيلية على إيران لم تنتهِ بانتصار خطابي لمحور الممانعة، بل بمذكرة تفاهم تمدد وقف النار ستين يوماً، وتفتح باب التفاوض على الملف النووي، والعقوبات، والأموال المجمّدة، ومسارات التهدئة الإقليمية. هذه الواقعة وحدها تكفي لتبديل زاوية النظر: إيران لا تفاوض من ذروة القوة، بل من حاجة إلى إدارة الخسارة، وخفض الكلفة، ومنع تحوّل الضربة العسكرية إلى انهيار سياسي واقتصادي أوسع.

في علم التفاوض، لا تُقاس القوة بما يقوله الطرف أمام جمهوره، بل بما يملكه من بدائل خارج الطاولة. من يملك العقوبات، والضغط العسكري، والحلفاء، وحرية الحركة، يدخل التفاوض بيد أقوى. ومن يحتاج إلى تخفيف الحصار، وفتح مسالك النفط، وتحرير الأموال، وتهدئة الجبهات، يدخل التفاوض محاولاً تحسين شروط تراجعه لا صناعة نصره. لذلك تبدو إيران اليوم في موقع مزدوج: تفاوض لأنها مضطرة، وتكابر كي لا تظهر مضطرة.

من هنا يُفهم خطاب الرئيس الإيراني عن عدم التراجع عن “حق التخصيب”. ليس هذا خطاب طرف مطمئن بالكامل، بل خطاب نظام يحتاج إلى حفظ ماء وجهه أمام الداخل بعدما جلس إلى طاولة تُناقش أصل قوته النووية، وعقوباته، وأذرعه، وممراته البحرية. فالأنظمة العقائدية لا تعلن الخسارة صراحة؛ تعيد تسمية الأشياء. التراجع يصبح صموداً، والحاجة إلى التسوية تصبح حكمة، والبحث عن رفع العقوبات يصبح انتصاراً للصبر.

هنا يظهر الربح الأميركي. واشنطن لم تكتفِ بإجبار إيران على التفاوض؛ أعادت تعريف جدول الأعمال. لم يعد السؤال: كيف ترد طهران؟ بل: كيف تضبط طهران؟ ولم يعد السؤال: ماذا يريد حزب الله؟ بل: ماذا ستفعل إيران بحزب الله؟ هذه ليست تفصيلاً لغوياً. في السياسة، من يفرض السؤال يملك نصف الجواب. وحين يهدد الرئيس الأميركي إيران بضربات جديدة إذا لم تضبط وكلاءها في حزب الله داخل لبنان، فإن المعنى السياسي أوضح من أي تحليل: الحزب لم يعد يظهر في الخطاب الدولي كقرار لبناني مستقل، بل كذراع تُخاطَب طهران بشأنها.

هذه هي خسارة حزب الله الأعمق. ليست فقط في الميدان، ولا في الكلفة البشرية، ولا في الدمار والنزوح، بل في سقوط احتكار المعنى. كل سلطة مسلحة تعيش من قدرتها على تسمية الأشياء: تسمّي الحرب مقاومة، والكلفة تضحية، والتراجع صموداً، والتفاوض خيانة حين تقوم به الدولة، وحكمة حين تقوم به إيران. لكن الوقائع الحالية تسحب منه هذه السلطة الرمزية. فالسلاح الذي قيل إنه يحمي لبنان صار سبباً لوضع لبنان على طاولة الآخرين. والقرار الذي قيل إنه لبناني صار يُبحث بين الأميركيين والإيرانيين والوسطاء.

هنا يصبح كلام أحد نواب الحزب نموذجاً تطبيقياً لهذه المعركة على المعنى. فهو لا يقدّم ربط إيران وقف النار في لبنان بمفاوضاتها مع واشنطن كاعتراف بتبعية القرار اللبناني لطهران، بل يسوّقه كرواية وفاء: إيران لم تتخلَّ عن لبنان، ولم تترك حزب الله خارج الحساب، وربطت استمرار التفاوض بوقف النار عليه. لكن المفارقة أن هذه الرواية نفسها تكشف ما تحاول إخفاءه. فما يُعرض كحرص إيراني على لبنان هو، في بنيته السياسية، إقرار بأن مصير الجبهة اللبنانية صار مرتبطاً بما تقرره طهران على طاولة واشنطن. هكذا يتفكك احتكار المعنى: التبعية تُسمّى حماية، والوصاية تُسمّى وفاء، وتحويل لبنان إلى بند في تفاوض الآخرين يُقدَّم كأنه دليل عناية به.

في هذا السياق، لا يمكن إغفال قول أمين عام حزب الله إن إسرائيل لن تبقى في لبنان، وإن الحزب سيرد على أي خرق، فهو لا يتكلم كقائد يمسك بسقف الحرب والسلم، بل كمن يحاول ترميم صورة قيادة انكشفت حدودها. المشكلة ليست في التهديد بحد ذاته، بل في التناقض بين صوت عالٍ على الشاشة وقرار يتحدد على طاولة لا يجلس إليها الحزب. يريد أن يقول لجمهوره إن الحزب ما زال يملك زمام المبادرة، لكن الوقائع تقول إن سقف الرد صار محكوماً بمفاوضات سويسرا، وبالتهديد الأميركي لطهران، وبقرار إسرائيلي يعلن حرية الحركة في الجنوب. هذه ليست صورة قائد منتصر، بل صورة خطاب يصرخ ليغطي ضيق الهامش.

الأشد دلالة أن ملف لبنان لم يبقَ خارج طاولة سويسرا. فالمحادثات تناولت آليات منع الاحتكاك في لبنان وتطبيق وقف النار، وجرى الحديث عن خلية تنسيق مع لبنان والوسطاء لضمان الالتزام بإنهاء العمليات العسكرية. أي أن لبنان لم يعد هامشاً على الطاولة؛ صار اختباراً للتفاهم نفسه. وهنا تنقلب وظيفة الحزب: من ورقة ترفع سعر إيران إلى عبء يجب ضبط كلفته كي لا ينسف تفاوضها.

أما إسرائيل، فهي الرابح العسكري والسياسي من هذا التحول. فهي وافقت على وقف النار، لكنها لم توافق على الانسحاب الكامل، وأكدت أنها ستبقي قواتها في المناطق التي تحتلها ما دامت تعتبر أن أمنها يتطلب ذلك. هذه ليست هدنة طبيعية، بل هدنة معلّقة: لا حرب كاملة ولا سلام كامل، لا انسحاب ولا تسوية نهائية. وفي هذه المساحة الرمادية تثبّت إسرائيل ما أرادته: ألا يعود حزب الله إلى حرية الحركة التي امتلكها قبل الحرب، وأن يتحول سلاحه من مصدر ردع إلى ملف ضبط.

وهنا تكمن المأساة اللبنانية. الدولة لا تكون دولة لأنها تملك علماً ونشيداً ومؤسسات، بل لأنها تحتكر قرار الحرب والسلم. وحين ينازعها تنظيم مسلح هذا الحق، لا ينتج سيادة موازية، بل دولة معلّقة: لا تملك قرار الحرب، ولا تملك قرار وقفها؛ لا تفاوض باسمها الكامل، ولا تُعفى من كلفتها. والأسوأ أن الدولة نفسها لا تُعامل بجدية ما دامت لا تتصرف كدولة جدية: تصدر القرارات ثم تتردد في تنفيذها، تعلن السيادة ثم تتهرب من شروطها، وتختبئ خلف حجج واهية لم تعد تنطلي على أحد. فالشرعية لا تُقاس بما يُكتب في البيانات، بل بما يُنفّذ على الأرض. حتى الهدنة لم تُمنح للبنان كاملة: هدنة بلا انسحاب هي تأكيد آخر أن لا أحد في لبنان يملك قرار حربه أو سلمه ما دام السلاح خارج الدولة.

لذلك، ليست اللحظة نهاية حزب الله ولا نهاية إيران ولا ولادة تسوية مكتملة. لكنها بداية انكشاف سياسي كبير. أميركا ربحت لأنها فرضت جدول الأعمال. إسرائيل ربحت لأنها حوّلت تهديد حزب الله إلى ملف تقييد. إيران خسرت لأنها تفاوض على أدواتها لا عبر أدواتها فقط. أما حزب الله، فهو الخاسر الأكبر، لأنه اكتشف أن السلاح الذي وُضع فوق الدولة لم يجعله سيد القرار، بل جعله بنداً في صفقة الآخرين.

ومن كان سيد قراره لا ينتظر سويسرا لتحديد سقف حربه. ومن كان منتصراً لا يحتاج أن يختبئ خلف شاشة كي يعلن النصر. ومن كان يحمي الدولة لا يجعلها مادة تفاوض بين العواصم.