العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

ردًّا على محمد رعد: السيادة لا تتجزأ

8 دقائق للقراءة
معيار الوطنية هو حصرية السلاح بيد الدولة واستقلال القرار الوطني

في مقاله «حول الهوية الوطنية والسلطة والمواطنة»، يطرح النائب محمد رعد أفكارًا تتعلق بالهوية والسيادة والعلاقة بالخارج واتفاق الطائف ومستقبل لبنان.

وبصراحة، فإن كثيرًا مما يطرحه يستحق النقاش، بل إن بعض المبادئ التي يستند إليها صحيحة في أساسها. فرفض الارتهان للخارج والتمسك بالسيادة هدفان يتفق عليهما معظم اللبنانيين.

لكن المشكلة لا تكمن في هذه المبادئ، بل في الانتقائية في تطبيقها. فالمعايير المستخدمة للحكم على الخصوم تقود إلى استنتاجات مختلفة عن تلك التي يدعو إليها المقال.

لبنان وطن لا ساحة

القلق على الهوية الوطنية مشروع، لكن الأزمة الأساسية في لبنان تتعلق بوجود رؤيتين متناقضتين للبنان. الأولى تعتبر لبنان وطنًا نهائيًّا لجميع أبنائه، ودولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وظيفتها خدمة مواطنيها وحماية حرياتهم وشراكتهم. أما الثانية، فترى لبنان جزءًا من مشروع إيراني إقليمي عقائدي، تتقدم فيه اعتبارات المحور والمذهب على لبنان ومؤسساته وشعبه. وهنا يكمن جوهر الخلاف.

السيادة لا تتجزأ

يقول محمد رعد إن الاستقواء بالخارج يضعف الهوية الوطنية ويقوض السيادة، وهي ملاحظة صحيحة من حيث المبدأ. لكن هل يطبق هذا المعيار على الجميع؟ فإذا كان الرهان على الولايات المتحدة أو الغرب يُعد انتقاصًا من القرار الوطني، فكيف يصبح الارتباط السياسي والعقائدي والاستراتيجي بإيران وولاية الفقيه تعبيرًا عن الوطنية؟ وإذا كان المطلوب رفض أي وصاية خارجية، فلماذا يُدان الارتهان لواشنطن، ويُبرر الارتهان لطهران اليوم ولسوريا الأسد سابقًا؟

السيادة لا تُقاس بهوية الطرف الخارجي، فالتبعية تبعية مهما كان اتجاهها، والسيادة لا تتجزأ.

الثامن من تشرين الأول: أين كانت الدولة؟

يتحدث محمد رعد مطوّلا عن السيادة الوطنية وعن رفض الارتهان للخارج. ولذلك، يصبح من المشروع أن نسأله: أين كانت الدولة اللبنانية في الثامن من تشرين الأول، عندما اتخذتم قرار إدخال لبنان في حرب إسناد غزة؟ من اتخذ القرار؟ هل اجتمع مجلس الوزراء؟ هل صوّت مجلس النواب؟ هل استُشير اللبنانيون؟ هل كانت الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار؟ أم أن القرار جاء في إطار استراتيجية إقليمية أوسع تتجاوز حدود الدولة اللبنانية ومؤسساتها؟ فإذا كانت السيادة الوطنية هي المعيار، فإن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم هي دولة مخطوفة، وسنواجهها.

أين كان لبنان؟

يحق للبنانيين أيضًا أن يتساءلوا: أين كانت الدولة عندما أرسلتم آلاف المقاتلين إلى سوريا؟ وأين كانت عندما شاركتم في نزاعات تمتد من العراق إلى اليمن، ومن الكويت إلى البحرين والبوسنة؟

إذا كانت الهوية الوطنية تعني تقديم مصلحة لبنان على ما عداها، فأين كانت مصلحة لبنان في تلك الحروب؟ وإذا كان التعاون مع الخارج يُعتبر خروجًا على المصلحة الوطنية، فلماذا لا يُطبق المعيار نفسه عليكم وعلى إيران؟

السيادة والعدالة

يتحدث محمد رعد عن الخيانة وأعداء الوطن، لكن اللبنانيين يتساءلون أيضًا عن العدالة الغائبة في سلسلة الاغتيالات السياسية التي هزّت لبنان، من رفيق الحريري إلى جبران تويني وبيار الجميل وأنطوان غانم ووسام الحسن ومحمد شطح ولقمان سليم وغيرهم.

لسنا هنا بصدد إصدار أحكام قضائية، بل بصدد طرح سؤال أساسي: كيف يمكن الحديث عن السيادة الوطنية، فيما يشعر قسم كبير من اللبنانيين أنكم غيّبتم الحقيقة والعدالة عنهم؟ فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها تعاني أزمة سيادة بقدر ما تعاني أزمة عدالة.

أي وطنية مع نظام الأسد؟

يتحدث رعد عن مقاومة التدخلات الخارجية، لكن كيف يمكن التوفيق بين هذا الخطاب والتحالف الوثيق لـ»حزب الله» وحركة أمل مع نظام الأسد؟ أي مفهوم يبرر التحالف مع نظام يعتبره كثير من اللبنانيين مسؤولا عن عقود من الإجرام، وعن السيطرة الأمنية والسياسية والاعتقالات والقمع والاغتيالات، فضلا عن نهب مقدّرات الدولة واستنزاف مواردها؟ وأي مفهوم للسيادة يسمح بتبرير الارتهان لمحور تعامل مع لبنان طوال عقود باعتباره ساحة نفوذ لا دولة مستقلة؟

لبنان الدولة

قامت الفكرة اللبنانية على الحرية والتعددية والتوازن والشراكة، لا على منطق المحاور والمشاريع العقائدية. ولهذا، يشعر كثير من اللبنانيين بأن الخطر لا يأتي من إسرائيل أو الغرب، بل من إيران ومن تحويل لبنان إلى ساحة دائمة لحروب الآخرين وصراعاتهم، سواء كانت مرتبطة بولاية الفقيه أو بنظام الأسد أو بالمشاريع العسكرية والتنظيمات التي استخدمت الأراضي اللبنانية لخدمة أجنداتها، كما حدث في مراحل مختلفة مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. فلبنان ليس جبهة متقدمة لإيران ولولاية فقيهها، تستخدمه في الحروب وفي المفاوضات كما تشاء، بل وطن مستقل يقرر مصيره بنفسه.

عندما يصبح ميزان القوى بديلا من العقد الوطني

يشير محمد رعد إلى مبدأ توازن القوى، لكنه يتناسى أن الأوطان لا تُبنى على موازين القوى، بل على عقد اجتماعي.

فميزان القوى متقلب بطبيعته، والتاريخ اللبناني مليء بالأمثلة على تبدلاته السريعة. لذلك، فإن الرهان على فائض القوة لفرض مشروع سياسي – عقائدي على بقية اللبنانيين ليس مشروعًا مستدامًا. فالقوة قد تمنح نفوذًا موقتًا، لكنها لا تنتج شرعية وطنية، بل تدفع الآخرين إلى البحث عن وسائل جديدة لإعادة التوازن. ولهذا، فإن الدرس الذي يفرضه التاريخ اللبناني بسيط: لا تراهنوا على القوة في مجتمع تعددي كلبنان، فالقوة لا تنتج استقرارًا. والإصرار على فرض الإرادة سيدفع الآخرين حتمًا إلى البحث عن مصادر قوة مقابلة، ما سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى تغيير المعادلة التي تعتقدون أنها ثابتة اليوم.

الطائف والفدرالية

يلوم محمد رعد اللبنانيين الذين لا يتحمسون لتنفيذ بند إلغاء الطائفية السياسية. لكن اتفاق الطائف لم يطرح هذا البند بمعزل عن بقية بنوده، بل بوصفه جزءًا من مشروع متكامل يبدأ بقيام دولة فعلية تحتكر السلاح والقرار والسيادة. أما المطالبة بإلغاء الضمانات السياسية التي أوجدها النظام التوافقي، في ظل استمرار السلاح خارج الدولة واختلال موازين القوة، فلا تؤدي إلى بناء دولة مدنية بقدر ما تؤدي إلى تكريس هيمنة فريق واحد على بقية المكونات.

والمفارقة أن «حزب الله» وحركة «أمل» كانا من أبرز القوى التي عطّلت تطبيق اتفاق الطائف لعقود، واستخدما موازين القوة لترسيخ نفوذهما داخل الدولة، وهما يدعوان اليوم إلى تنفيذ بعض بنوده من دون الالتزام الكامل بروحيته وباقي استحقاقاته. كما أنهما، في الوقت الذي يتحدثان فيه عن إلغاء الطائفية السياسية، يتمسكان بمنظومة سياسية وعسكرية وعقائدية ذات طابع مذهبي واضح، ومرتبطة بمرجعية تتجاوز الدولة اللبنانية وحدودها.

وأعترف بأنني لم أعد أعلم ما إذا كان لا يزال ممكنا التوصل إلى تفاهم جديد حول لبنان مع من يضع أولويات المحور فوق أولويات الدولة، أو يعتبر أن السلاح يمكن أن يحل محل العقد الاجتماعي.

وفي ظل تعذّر الوصول إلى تفاهم من هذا النوع، يصبح من الطبيعي أن يبدأ اللبنانيون بالتفكير في صيغ سياسية بديلة. ومن هنا، يتصاعد النقاش حول الفدرالية بوصفها نتيجة لفشل الدولة المركزية في حماية الشراكة الوطنية، وصون حقوق المكونات الأربعة، وضمان التوازن بينها. وقد تصبح الفدرالية، بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، وسيلة للحفاظ على لبنان لا لتفكيكه، ولحماية التعددية لا لإلغائها، ولإعادة إنتاج الشراكة الوطنية على أسس أكثر استقرارًا وعدالة.

أستاذ رعد...

إذا كانت السيادة لا تتجزأ، فلنطبق هذا المبدأ على الجميع. وإذا كان الارتهان للخارج خطرًا، فلنرفضه أيًّا يكن مصدره. وإذا كان لبنان وطنًا نهائيًّا لجميع أبنائه، فلا يمكن أن يبقى قرار الحرب والسلم بيدكم وبيد إيران، وسنقاوم هذا الواقع بكل الوسائل المتاحة. لقد قدّمت في مقالك مبادئ مهمة، لكن هذه المبادئ، عند تطبيقها على تجربة «حزب الله» و»أمل» وعلاقتهما بإيران وعلى واقع الدولة اللبنانية، تقود إلى استنتاج مختلف.

فإذا كان معيار الوطنية هو حصرية السلاح بيد الدولة واستقلال القرار الوطني ورفض الارتهان للخارج، فإن كثيرًا من اللبنانيين يرون أن هذه المعايير تفرض على «الحزب» و»أمل» إعادة النظر في علاقتهما العضوية بإيران.

فالسيادة لا يمكن أن تكون انتقائية، والهوية الوطنية لا يمكن أن تُبنى على ولاء يتجاوز الوطن والدولة، والشراكة لا يمكن أن تتحقق في ظل اختلال مزمن في موازين القوة ووجود سلاح خارج الدولة.

ولهذا، فإن السؤال الذي يواجه اللبنانيين اليوم ليس كيف نحمي لبنان من الخارج فحسب، بل كيف نحميه من الداخل، من سلاحكم ومن مشروعكم. وهذه هي القضية التي تجاهلها مقالكم، وهي القضية التي ستحدد مستقبل لبنان. وكونوا على ثقة بأن اللبنانيين الأحرار سيجدون الإجابات عن هذه الأسئلة، والطريق الذي يعيد الحقوق والشراكة إلى المكونات الأربعة، ويعيد بناء لبنان على أساس العدالة والتوازن والسيادة والشراكة.

نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ