تتصف غالبًا الأبحاث والمناقشات والسجالات والتوصيفات المتعلقة بالدستور اللبناني، وهي غالبًا ذات توجهات أيديولوجية، بغياب المنهجية في تصنيف النظام الدستوري اللبناني ضمن النظرية الدستورية العالمية اليوم. وتفتقر أيضًا إلى البُعد التاريخي اللبناني في الاختمار والمعاناة. ومن يسعى إلى التجدد والأصالة والتعمّق يُوصَف، أو يُتَّهَم أيديولوجيًا، بأنه يدافع عن "الصيغة"، مع تلوّث تام لهذا المصطلح أيضًا.
إن الجهود العلمية والمقارنة، لبنانيًا وعالميًا، في إطار النظرية الدستورية العالمية، منذ سبعينيات القرن الماضي، لتصنيف أنظمة دستورية عديدة في العالم كانت تُعتبر فريدة من نوعها (sui generis)، لم تحمل لبنانيين وعربًا وأجانب على التعمّق في دراسة الحالات، كما في علم الطب، في سبيل تبيان الحالات المرضية والحالات الصحية، وبالتالي استكمال البناء النظري في العلم الدستوري العالمي والمقارن.
على العكس، اعتبر كثيرون الأبحاث المقارنة عقيدةً أو فلسفةً، كالرأسمالية والاشتراكية والشيوعية...، بينما هي عملية تصنيف (classification) لأكثر من ثلاثين نظامًا دستوريًا في العالم: لبنان، وسويسرا، وبلجيكا، والنمسا، والبلدان المنخفضة، وجزيرة موريس، وجزر فيجي، وجنوب أفريقيا، ونيجيريا، وغانا، وأيرلندا الشمالية...
1. غياب المنهجية! عندما يفتقر أي موضوع إلى تصنيف علمي تنساق أبحاث وسجالات وممارسات في فوضى ذهنية! إن ميثاق لبنان 1943 هو نمط في البناء القومي بالمواثيق، في أنتروبولوجيا التاريخ والقانون، كما في بلدان عدّة في العالم انطلاقًا من مؤتمر اليونيسكو سنة 1971 حول أنماط البناء القومي. ترتكز أيديولوجيا سائدة على الاعتبار أن الأمم تبنى حصرًا بالحديد والنار في حين أن أمم عديدة نشأت من خلال جدلية المركز والأطراف والانضمام الطوعي إلى مركزية الدولة من خلال سياسة تسوية accommodation:
L’édification nationale dans diverses régions, no spécial de la Revue internationale des sciences sociales, Unesco, XXIII (3), 1971
وتعريب افلين أبو متري مسرّه، البناء القومي بالمواثيق والأنظمة البرلمانية التعددية، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة "وثائق"، رقم 62، 2017.
هل النظام الدستوري اللبناني برلماني، أم رئاسي، أم مجلسيّ...؟ يستمر السجال حول الموضوع وفي تعليم القانون الدستوري في كليات القانون – ولا نقول الحقوق – منذ بداية القرن الماضي، من دون الاطلاع على الدراسات المقارنة الحديثة. إن النظام الدستوري اللبناني هو، في التصنيف المعاصر، نظام برلماني تعددي (parlementaire pluraliste)، يرتكز على مبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها، ولكنه يدمج سياقات تنافسية وتعاونية في آن واحد (processus compétitifs et coopératifs)، في سبيل الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية في المفهوم الاجتماعي للتعدد الثقافي:
Maxence Unau, « Propositions pour une classification renouvelée des régimes politiques », Revue française de droit constitutionnel, no 136, 2023, pp. 935-955.
2. غياب البعد التاريخي والاختبار والاختمار والمعاناة: هل يمكن البحث في دستور أي مجتمع كما لو أن الموضوع يتعلق بإخلاء مأجور أو تسديد دين؟ دستور الدولة ملازم للخبرة الوطنية المتراكمة والثقافة السياسية والمعاناة والاختبار والاختمار. لا يوجد في العالم نص دستوري أكثر تعقيدًا من دستور سويسرا. يمكن للسويسريين الاستمرار في سجالات من الماضي جرت معايشتها واختبارها. ويمكن لدولة مثل كندا، أو مثل الإمارات العربية المتحدة، أن تعتبر أنه يستحيل بناء وطن ومجتمع في مناخ شبه مستحيل سواء في الثلوج أم في الحرّ! في فلسفة القانون بالذات نظرية الواقعية القانونية réalisme juridique لا تعني إطلاقًا الاستسلام للواقع، بل التعامل التنظيمي مع الواقع من دون أيديولوجيا وسجالات تجريدية. إن العدد الأخير لموسوعة العدالة الدستورية يشمل أكثر من أربعين دولة في مقاربة للدساتير من منطلق الاختبار والاختمار والذاكرة:
Constitution, histoire et mémoire, Annuaire international de justice constitutionnelle, vol. 38, Economica, 2023, 932 p.
***
واجه الآباء المؤسسون في ميثاق الطائف معضلة التوفيق بين المشاركة في الحكم power sharing والفصل بين السلطات. لكن ميثاق الطائف، حسب قول حسين الحسيني، "لم يقرأ ولم يفهم جيدًا" نعمل في إطار كرسي اليونيسكو للأديان المقارنة والوساطة والحوار على إعداد مختارات anthologie لمؤلفين لبنانيين وأجانب، مجدّدين وأصيلين في آن حول تاريخية البناء الدستوري اللبناني طوال السنوات 1860- 2026 وذلك لأهداف منهجية وثقافية وتربوية في سبيل مثاقفة دستورية لبنانيًا وتوبة قومية رادعة.
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019