نايف عازار

الزيدي يُزعزع عروش "الدولة العميقة"

3 دقائق للقراءة
الزيدي خلال استقباله برّاك الأسبوع الماضي (رويترز)

أحدثت التغييرات الجذرية التي شرع في تنفيذها رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي صدمة سياسية وأمنية واقتصادية في بلاد الرافدين، كونها طالت رؤوسًا كبيرة في الأجهزة الأمنية ومحافظ البنك المركزي العراقي، في بلد تُحكِم فيه "الدولة العميقة" قبضتها المحكمة على مفاصل السلطة.

يعتبر مؤيدو الزيدي أن الخطوة هي اللُّبنة الأولى لإعادة رسم معالم خريطة الإدارة الحكومية الطرية العود، تماشيًا مع متطلّبات المرحلة وتبدلاتها الإقليمية والدولية فائقة الدقة. وهنا حرصت الحكومة على تأكيد أن التغييرات الأمنية والاقتصادية والمالية تندرج في إطار رؤية جديدة ترمي إلى تمكين المؤسسات، وأنها ليست عقوبة لأي فرد أو جهة، وبعيدة كل البعد من أي نكد سياسي أو مذهبي.

في المقابل، يتوجّس بعض الفرقاء السياسيين من إجراءات الزيدي، باعتبارها تهديدًا مباشرًا لنفوذهم "السرمدي" في مؤسسات الدولة. ينطلق المعترضون من توقيت الخطوة، كونها أعقبت مباحثات أجراها رئيس الحكومة في بغداد مع المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى العراق توم برّاك، وتأتي أيضًا قبل قمة مزمع عقدها في واشنطن بين الزيدي وقاطن البيت الأبيض في منتصف الشهر المقبل، في وقت تجهد فيه الحكومة الوليدة لتعزيز أواصر علاقاتها مع الإدارة الأميركية، وجذب استثمارات أجنبية، بالتوازي مع إعادة ترتيب ملفات الأمن والاقتصاد، مستفيدة من حسن العلاقة المبدئي بين الزيدي وقائد سفينة "العمّ سام"، الذي مضى بخيار الزيدي، بعد رفعه بطاقة حمراء في وجه رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي.

يخشى المتوجّسون من إجراءات رئيس الحكومة أيضًا من أن تكون التغييرات الخطوة الأولى في "رحلة الألف ميل" الإصلاحية، الهادفة إلى إعادة هيكلة المراكز الأمنية والإدارية الحساسة في الدولة، في ظل جزم مقربين من مركز القرار في بغداد بأن الزيدي يعكف راهنًا على دراسة السير الذاتية لعدد كبير من المسؤولين، تمهيدًا لاتخاذ قرارات مناسبة ترتبط بالنقل والتعيين أو حتى الإقالة. لذلك تتخوّف بعض الجهات السياسية من فقدان مراكز نفوذها داخل المؤسسات الحكومية التي ينخر الفساد غالبيتها، بعدما أمست تعتبر هذه المراكز حقوقًا طبيعية لها.

ولتبديد مخاوفها أو للحد منها على الأقل، بعثت القوى القلقة من خلط أوراق "مغانمها السلطوية" برسائل إلى الزيدي، تفيد بأنها لا تعترض على التغييرات من حيث المبدأ، بيد أنها تفضّل، في الوقت عينه، أن تبقى المناصب التي يشغلها منتمون إليها ضمن حصصها السياسية، في حال استقرّ القرار على استبدال الأسماء التي تدير تلك المناصب.

وهنا يأتي تلويح بعض المعترضين باللجوء إلى البرلمان لكبح إجراءات الزيدي، انطلاقًا من مخاوفهم من فقدان جزء من نفوذهم، أكثر من كون الأمر خلافًا قانونيًا في شأن صلاحيات السلطة التنفيذية، علمًا أن بعض المراقبين يعتبرون أن الزيدي يرنو إلى اعتماد معايير الكفاية والنزاهة في قرارات الإقالة والتعيين، بعيدًا من ضغوط المحاصصات السياسية والحزبية والمذهبية التي حكمت توزيع المناصب في بلاد الرافدين لسنوات خلت.

يبقى أن الخطوات التغييرية الجذرية التي يمضي بها الزيدي، والتي يصفها المراقبون بالجريئة، تمثّل اختبارًا حساسًا ومبكرًا لقدرة الحكومة الوليدة على التصدّي لشبكات نفوذ متجذرة في دهاليز مؤسسات "الدولة العميقة"، حيث يرتبط العديد من الإدارات الأمنية بتوازنات حزبية وسياسية شديدة التعقيد، جعلت تبديل المتربّعين على عروشها أمرًا بالغ الدقة والحساسية.