دعونا، ولو لمرة واحدة، نسمّي الأشياء بأسمائها.
بدل أن نقول "مسيحيو الجنوب"، لنقل: مواطنون لبنانيون يؤمنون بالدولة اللبنانية.
وبدل أن نتحدث عن "القرى المسيحية الجنوبية الصامدة"، فلنتحدث عن قرى لبنانية تدفع ثمن حرب لا قرار لها فيها، وعن مواطنين يتمسكون بمبدأ بسيط: أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها.
في كل مرة تشتعل فيها الجبهة الجنوبية، تمتلئ الشاشات والتقارير بعبارات من نوع "مسيحيو الجنوب" و"البلدات المسيحية الحدودية"، وكأن المشكلة تكمن في هوية السكان الدينية، لا في حقيقة أنهم مواطنون لبنانيون يجدون أنفسهم، مرة جديدة، ضحايا لصراع إقليمي أكبر منهم. وهذا التوصيف ليس بريئًا، لأنه يحوّل قضية وطنية إلى قضية فئوية، ويختزل مأساة مواطنين لبنانيين بهوية طائفية بدلا من هويتهم الوطنية.
والحقيقة أن هذه القرى لم تدخل التاريخ بسبب انتمائها الديني، بل بسبب تمسكها بلبنان. فمن رميش وعين إبل والقوزح ودبل وعلما الشعب إلى القليعة ودير ميماس وجديدة مرجعيون، شكّلت هذه البلدات، على مدى عقود، خط الدفاع الأخير عن فكرة الدولة في منطقة تحولت تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
منذ توقيع اتفاق القاهرة عام 1969، بدأ الجنوب اللبناني يفقد تدريجيًا سيادة الدولة عليه. تحولت أراضيه إلى قواعد عسكرية، وتحوّل سكانه إلى رهائن لمواجهة لم يقرروا خوضها. يومها، لم يكن أهالي الجنوب يعترضون على القضية الفلسطينية، بل على استخدام أرضهم وبيوتهم وقراهم منصة لحرب لا تملك الدولة اللبنانية قرارها. ثم جاءت مرحلة الاحتلالات والحروب المتلاحقة، قبل أن ينتقل الجنوب من وصاية السلاح الفلسطيني إلى وصاية مشروع إقليمي آخر تقوده إيران.
تبدلت الشعارات، لكن المعادلة بقيت نفسها: لبنان ساحة، واللبنانيون مجرد أضرار جانبية.
في خضم هذه التحولات، تشكّلت بين أبناء المنطقة وضباط وجنود من الجيش اللبناني مجموعات رأت نفسها مكلّفة بالدفاع عن القرى التي تخلت الدولة عن حمايتها. وبغض النظر عن الجدل السياسي الذي رافق تلك المرحلة، تبقى حقيقة أساسية لا يمكن إنكارها: آلاف أبناء تلك القرى اعتبروا أنهم يقاتلون من أجل بقاء لبنان، ومن أجل إبقاء العلم اللبناني مرفوعًا على الحدود، في زمن كانت فيه الدولة تتراجع أمام نفوذ القوى المسلحة غير اللبنانية.
واليوم، بعد أكثر من خمسين عامًا، يبدو أن التاريخ يكرر نفسه بصورة مأساوية. فالمواطن الذي كان يرفض بالأمس أن تكون قريته منصة لحرب فلسطينية - إسرائيلية، يجد نفسه اليوم يرفض أن تكون قريته ساحة لحرب إيرانية - إسرائيلية. وما يتغير هو أسماء اللاعبين فقط، أما الضحايا فهم أنفسهم.
ورغم كل ذلك، لا تزال هذه القرى متمسكة بالحياة. فمن يتابع أوضاع رميش وعين إبل والقليعة وسواها يلاحظ حجم التضامن الإنساني الذي يحيط بها. فالجمعيات الكنسية والإنسانية اللبنانية والدولية تعمل على تأمين المساعدات الغذائية والطبية، ودعم صمود السكان. كما برزت مبادرات متعددة من الكنائس المحلية ومن الكرسي الرسولي، عبر سفيره في لبنان، لدعم الأهالي وتشجيعهم على التمسك بأرضهم وعدم التخلي عن قراهم. لكن المساعدات، مهما كانت ضرورية، لا تعالج أصل المشكلة.
لأن المشكلة ليست إنسانية فقط، بل سياسية وسيادية في المقام الأول.
ولهذا السبب، فإن أكبر ظلم يمكن أن يُرتكب بحق هذه القرى هو اختزالها بعنوان "مسيحيي الجنوب". فهؤلاء ليسوا حالة طائفية خاصة، بل شريحة من اللبنانيين دفعت أثمانًا باهظة لأنها تمسكت بالدولة اللبنانية عندما كان كثيرون يراهنون على الدويلات والمحاور والعواصم الخارجية.
دعونا إذًا نسمّي الأشياء بأسمائها.
ما يجري اليوم ليس مأساة "مسيحيي الجنوب". إنها مأساة مواطنين لبنانيين يؤمنون بالدولة ويدفعون ثمن حرب إيرانية - إسرائيلية تدور على أرضهم. أما صمودهم، فليس دفاعًا عن طائفة، بل عن فكرة لبنان نفسه.