أمل شموني

لبنان بين المصالح الأميركية - الإيرانية وأمن إسرائيل والسيادة

6 دقائق للقراءة
لا يزال المسار اللبناني - الإسرائيلي نشطًا رغم الضغوط الشديدة
واشنطن

في منتجع بورغنستوك، حاول نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وصف أحدث مساعي إدارة ترامب الدبلوماسية في الشرق الأوسط بأنها آلية لضبط النفس (mechanism of restraint). فقد ذكر أن الولايات المتحدة أحرزت "تقدّمًا جيدًا جدًا" نحو التوصل إلى اتفاق لتجنب الصدام في لبنان، وهو اتفاق مصمم لضمان "أن تتحاور الأطراف فعليًا عند وقوع أي طارئ". لكن الجملة الأهم في إحاطة فانس لم تكن تتعلق بالإجراءات، بل بالسيادة، سيادة لبنان. إذ قال: "نريد حماية أمن إسرائيل، ونريد أيضًا حماية سيادة لبنان".

هذه الصياغة تستجلب الإشادة، لكن تطبيقها صعب. فبحسب دبلوماسي أميركي، ليست السيادة في لبنان كلمة محايدة، بل ساحة المعركة الرئيسية. إذ يُمثّل الاستقلال المسلح لـ"حزب الله" التحدي الأبرز، يضاف إليه استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب. وقال الدبلوماسي الأميركي "إن سياسةً تُعامل السيادة كمطلبٍ لانسحابٍ إسرائيلي فقط تُغفل نصف المشكلة. وسياسةً تُعامل "حزب الله" كفصيل لبناني فحسب تُغفل النصف الآخر".

وتصف واشنطن الوضع الدبلوماسي الراهن بالنسبة إلى لبنان بأنه "مهم، ولكنه هشّ". فبحسب مسؤولين أميركيين، تسعى واشنطن للحفاظ على هيكل وقف إطلاق نار إقليمي أوسع، مع منع لبنان من أن يكون الشرارة التي تُفجّره. من هنا لفتت مصادر قريبة من البيت الأبيض إلى أن الخلية المتعلقة بلبنان والتي اتُفِق على إنشائها تهدف إلى المساعدة في إنهاء الأعمال العدائية في لبنان، ومراقبة الحوادث، ومنع تحوّل المواجهات الميدانية إلى أزمة إقليمية أخرى.

غير أن المصادر الأميركية اعتبرت أن ذلك سيُتيح بعض الوقت، لكنه لا يُجيب عن الإشكال الاستراتيجي. إذ لا يزال يتعين على لبنان وإسرائيل تسوية الشروط العملية للأمن على طول الحدود: الانسحاب، والتحقق، والمناطق التجريبية، وانتشار الجيش اللبناني، واستبعاد "حزب الله" من المناطق التي من المفترض أن تكون للدولة سلطة حصرية عليها. وقال دبلوماسي أميركي إن فكرة "المناطق التجريبية" لا تزال سليمة، خصوصًا وأن البديل قد يكون "منطقة رمادية دائمة تدّعي فيها إسرائيل الدفاع عن النفس، ويدّعي حزب الله "المقاومة"، وتدّعي إيران نفوذها، وتدّعي الدولة اللبنانية السيادة من دون ممارستها بشكل كامل".

ولفت مصدر دبلوماسي أميركي إلى أن المسار اللبناني الإسرائيلي "ناشط"، إذ لا تزال المحادثات جارية، لكنها تتعرض لضغوط شديدة. وكان مصدر عسكري أميركي أكثر صراحةً بشأن المعضلة العملياتية، فقد قال: "طالما احتفظ "حزب الله" بالقدرة والنية على إطلاق النار على إسرائيل، ستصر الأخيرة على وجود هامش للتحرك. لا يبرر هذا الوضع حرية العمل الإسرائيلية المطلقة، لكنه يفسر سبب استحالة فصل الانسحاب عن نزع السلاح".

فقد أبرزت تصريحات فانس هذه الازدواجية، إذ قال إن إسرائيل "واضحة جدًا" في عدم وجود أي نوايا لها في جنوب لبنان، وإن قواتها هناك بسبب مخاوفها من إطلاق "حزب الله" النار على بلداتها الشمالية. من هنا، شدد فانس على أن التوصل إلى حل عملي يتطلب التنسيق مع الجيش اللبناني، كما أن على إيران كبح جماح "حزب الله".

غير أن كلام فانس، بحسب مسؤول أميركي سابق، قد لا يعكس مسألة نزع سلاح كاملة، خصوصًا أنه لم يقل صراحةً بضرورة استعادة الدولة اللبنانية احتكارها للأسلحة. لكن خطابه حول السيادة يشير إلى هذا الاتجاه، مما يعني أنه يضع الكرة في ملعب الحكومة اللبنانية.

ويكمن الخطر في أن آلية واشنطن الجديدة قد تحوّل لبنان إلى مسرح عمليات ثانوي لصفقة أميركية - إيرانية، خصوصًا أن عودة إيران وإسرائيل، ودخول قطر، وربما باكستان، ووجود قنوات أميركية متعددة، كلها عوامل تؤدي إلى تدخلات وتضارب، في الوقت الذي يحتاج فيه لبنان إلى فرض نفوذ الدولة.

ويبدو أن وجهة نظر الإدارة الأميركية أكثر تكتيكية. فبحسب مصادر قريبة من البيت الأبيض، لا يزال ترامب منخرطًا في مشهد الشرق الأوسط بشكل انتقائي: يُهدد إيران بشأن وكلائها، ويضغط من أجل ضبط النفس حيثما تكون الحرب الأوسع مكلفة، ويُفوّض آليات العمل إلى فانس والوسطاء. هذا النهج القائم على الضغط والتفويض يرفع تكلفة التصعيد بالنسبة إلى "حزب الله"، من دون أن يمنحه مكسبًا دبلوماسيًا سهلا.

لكن خبراء أميركيين اعتبروا أن "الحزب" قد يستفيد من حالة الارتباك. من هنا، يكمن التحدي الذي يواجه بيروت في تحويل خطاب فانس إلى برنامج لبناني مبدئي، يتكامل مع كلام الرئيس جوزاف عون المرحب بالدعم الدولي، ولكن الرافض للتدخل في الشؤون اللبنانية. وهذا يعني أن لبنان هو من يتحمل المسؤولية ويحصد النتائج في حال نجاح العملية. ويبدأ النموذج الموثوق بمناطق تجريبية يكون فيها الجيش اللبناني، هو السلطة الأمنية الظاهرة. ويُوضّح هذا النهج أيضًا مسؤولية إسرائيل. فإذا ادّعت عدم وجود مطامع إقليمية لها في الجنوب، فعليها إثبات ذلك من خلال انسحاب تدريجي، حيث تُرسى سيطرة الدولة اللبنانية.

وتعتبر المصادر الأميركية أن الحقيقة المُرّة هي أن لبنان لا يستطيع استعادة سيادته مع تفويض قضية "حزب الله" للمصالح الإقليمية إلى أجل غير مسمى، وأن على بيروت رسم خط فاصل واضح ومعلن يهدف إلى تفكيك قدرة "الحزب" على إدخال لبنان في الصراعات الإقليمية.

وأضافت المصادر أن هذا ينبع من فرضية فانس نفسها، القائلة إن السيادة اللبنانية مهمة، وأن واشنطن تتحدث مع طهران حول كبح جماح "حزب الله"، من دون أن تسمح لإيران بأن تُصبح المتحكمة في لبنان. ولفتت المصادر إلى قول فانس إن أي اقتراح برفع التجميد عن الأصول الإيرانية يجب أن يكون مشروطًا بتقديم مساعدات مالية للإيرانيين، بدلا من تمويل الإرهاب أو الحروب بالوكالة. وشدد المصدر على أن لبنان ينبغي أن يدفع باتجاه تطبيق المبدأ نفسه دبلوماسيًا: يمكن الضغط على إيران لوقف تسليح "حزب الله" وتوجيهه، لكن لا ينبغي مكافأتها بدور إداري معترف به في مستقبل لبنان.

وعشية جولة المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية، لا يكمن السؤال في ما إذا كانت آلية "فض الاشتباك" ستصمد، بل في ما إذا كان بالإمكان تحويلها إلى عملية سياسية مستدامة.

في هذا الإطار، أشارت المصادر إلى أنه يتعين على لبنان وإسرائيل تسوية الأمور بينهما بشكل ثنائي؛ فمفتاح الاستقرار يكمن في التفاوض المباشر، وليس في الإملاءات الخارجية. فالهدف لا يزال يكمن في بسط سيادة الدولة. ودعت المصادر الأميركية الجانب اللبناني إلى تغيير سرديته. فالسيادة لا يمكن أن تكون أكثر من مجرد شعار ما لم يُستعَد دور الجيش باعتباره الجهة الأمنية الشرعية الوحيدة.

من هنا، بات مصير لبنان يقف عند تقاطع طرق يجمع بين الدبلوماسية الإقليمية، والعقيدة الأمنية الإسرائيلية، والتحدي المستمر المتمثل في الوجود المسلح لـ"حزب الله". وقد عاد لبنان ليكون بمثابة اختبار، وتقول المصادر الأميركية إنه ربما يكون الاختبار الأهم لقدرة واشنطن على احتواء التصعيد الإقليمي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مبدأ السيادة اللبنانية.