طارق أبو زينب

الحرس الثوري يمسك بمفاصل قرار "حزب الله"

4 دقائق للقراءة
شوهد ضباط إيرانيون في مناطق جنوبية خلال مراحل مختلفة من الحرب (أ ف ب)

لم تتوقف تداعيات الحرب الأخيرة في لبنان عند حدود وقف العمليات العسكرية، بل فتحت مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، تتصل بإعادة تشكيل موازين القوة داخل "حزب الله" والساحة اللبنانية. فبعد الخسائر التي تعرّض لها "الحزب" خلال حرب إسناد غزة، وفي مقدّمها مقتل أمينه العام السابق حسن نصرالله وعدد من أبرز قادته العسكريين، تتقاطع تقديرات سياسية ومعطيات ميدانية على أن طهران لم تكتفِ بتعويض الخسائر، بل انتقلت إلى إعادة الإمساك المباشر بمسار إعادة بناء البنية العسكرية لـ"الحزب" عبر الحرس الثوري الإيراني، في خطوة تستهدف استعادة الجهوزية، وإعادة ضبط الإيقاع العملياتي، وترميم النفوذ في واحدة من أكثر ساحات الإقليم حساسية.


إعادة ترميم "الحزب"

تكشف معطيات متقاطعة أن تداعيات الحرب على "حزب الله" لم تقتصر على الخسائر البشرية والتنظيمية، بل امتدت إلى عملية إعادة بناء واسعة للهيكلية العسكرية. وتؤكد أوساط متابعة أن "الحرس الثوري" اضطلع بدور محوري في هذه العملية من خلال إعادة تنظيم شبكات الاتصال وترميم البنية اللوجستية وإعادة توزيع المهام داخل الوحدات المتضررة خلال الحرب. كما أشرف على برامج التدريب والتسليح ورفع مستوى التنسيق العملياتي بين الوحدات المختلفة، بما يهدف إلى الحفاظ على الجهوزية القتالية واستعادة قدرة "الحزب" على العمل الميداني بفعالية أكبر.


حضور ميداني يتجاوز الإسناد

في هذا السياق، تؤكد مصادر عراقية مطلعة لـ"نداء الوطن" أن عددًا من عناصر "الحرس الثوري"، إلى جانب مجموعات من فصائل عراقية تدور في فلك طهران، دخلوا إلى لبنان خلال المرحلة الأخيرة من الحرب تحت غطاء المشاركة في مراسم تشييع نصر الله. وبحسب المصادر، فإن قسمًا من هؤلاء لم يغادر لبنان بعد انتهاء المراسم، بل انتقل إلى مهام ميدانية مرتبطة بإعادة بناء القدرات العسكرية لـ"حزب الله". وتشير المعطيات إلى أن هذا الحضور لم يقتصر على الدعم اللوجستي أو الاستشاري، بل اتخذ في بعض المسارات طابعًا عملياتيًا مع مشاركة في إدارة تفاصيل ميدانية خلال مراحل من المواجهة الأخيرة. كما تلفت المصادر إلى أن ضباطًا إيرانيين شوهدوا في مناطق جنوبية خلال فترات مختلفة من الحرب، حيث تولوا أدوارًا مرتبطة بالتنسيق بين الوحدات الميدانية وإدارة بعض جوانب القرار العملياتي.


من الكمّ إلى النوع

تعكس التطورات انتقالا واضحًا في المقاربة الإيرانية من نموذج القوة الكثيفة إلى نموذج القوة النوعية. فبدلا من الحشد العددي، عمل الحرس الثوري على بناء وحدات متخصصة في الطائرات المسيّرة وأنظمة الاتصالات والعمليات الخاصة. وبحسب المعطيات، تمتلك هذه المجموعات خبرات تقنية متقدمة، ما يعكس تحوّلا في إدارة القوة يقوم على الكفاءة التشغيلية أكثر من الحجم البشري، مع إدخال أدوات متطورة، وفي مقدّمها المسيّرات، إلى مسرح العمليات في جنوب لبنان.


غرفة عمليات إقليمية مفتوحة

في السياق نفسه، تؤكد تقديرات سياسية أن العمليات التي شهدتها الجبهة الجنوبية عكست مستوى متقدمًا من الترابط بين الميدان اللبناني ومسارات القرار الإقليمي. وبذلك، لم تعد الساحة اللبنانية معزولة عن الحسابات الكبرى، بل باتت جزءًا من منظومة عملياتية أوسع، تتقاطع فيها اعتبارات الردع والتفاوض بين إيران والولايات المتحدة، وتنعكس مباشرة على إدارة المواجهات.

وتعتبر أوساط سياسية أن أهمية هذه التحولات لا تكمن في بعدها العسكري فحسب، بل في انعكاساتها على بنية القرار داخل "الحزب". فمرحلة ما بعد حرب 2024 أفرزت واقعًا مختلفًا على مستوى القيادة وآليات التواصل وإدارة الموارد البشرية والعسكرية. وتؤكد هذه الأوساط أن عملية إعادة التنظيم سعت إلى بناء نموذج أكثر مركزية وانضباطًا في إدارة الوحدات والقدرات الميدانية، بما يعزّز مستوى السيطرة ويرفع الجهوزية العملياتية.


من إعادة البناء إلى إعادة الإمساك بالقرار

سياسيًّا، تتعامل أوساط متابعة مع المرحلة الحالية بوصفها مرحلة إعادة تثبيت نفوذ أكثر من كونها مجرّد إعادة بناء عسكري. فالحرس الثوري لا يعمل فقط على ترميم قدرات "حزب الله"، بل على إعادة صياغة موقعه داخل منظومة القرار الميداني لـ"الحزب".

وبينما تتراجع أصوات الحرب، يتقدّم مشهد أكثر هدوءًا، لكنه أشد تأثيرًا. فالمسألة لم تعد تتعلّق بإعادة بناء القوة العسكرية فحسب، بل بالجهة التي تمسك بقرار استخدامها وتحدّد اتجاهاتها. وفي هذا المشهد، تبدو الساحة اللبنانية أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف موازين القوة والنفوذ، حيث لا يقتصر دور "الحرس الثوري" على إعادة ترميم البنية العسكرية لـ"حزب الله"، بل يتجاوز ذلك إلى الإمساك المتزايد بمفاصل القرار ورسم معادلات ما بعد الحرب.