في زمنٍ باتت فيه السياسة تُقاس بعدد الإطلالات الإعلامية وحجم السجالات على مواقع التواصل الاجتماعي، تبدو الدبلوماسية اللبنانية وكأنها تسير في اتجاه معاكس، فعمل وزارة الخارجية لا يُختصر بالمواقف الشعبوية ولا بالمؤتمرات الصحافية، بل يُقاس بقدرتها على حماية مصالح الدولة في المحافل الدولية.
من هذا المنطلق، تبدو الانتقادات التي يتعرض لها وزير الخارجية يوسف رجيّ بحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية، فرجيّ يتولى حقيبة سيادية في لحظة إقليمية دقيقة، حيث تتشابك ملفات الحرب في الجنوب، والضربات الإسرائيلية المتواصلة، والمسار التفاوضي الذي ترعاه واشنطن.
وخلافًا لما يحاول البعض الإيحاء به، لم تتوقف "الخارجية" يومًا عن متابعة الانتهاكات الإسرائيلية أمام الجهات الدولية المختصة. فالشكاوى الدورية التي تُرفع إلى الأمم المتحدة لم تنقطع، بل استمرت بوتيرة متصاعدة كلما استدعت التطورات الميدانية ذلك. وهذه المهمة، وإن كانت لا تحظى بتغطية إعلامية واسعة، تشكّل أحد أبرز أدوار الدبلوماسية اللبنانية في توثيق الاعتداءات التي يتعرّض لها لبنان.
أما في ما يتعلق بالمسار التفاوضي، فإن اختزال الدور اللبناني بالأسماء الظاهرة على طاولة المفاوضات يُفقد المشهد كثيرًا من دقته، فالدبلوماسية لا تُدار فقط من خلال المفاوض المباشر، بل أيضًا عبر شبكة من الاتصالات والمتابعات والتنسيق المستمر بين وزارة الخارجية والسفارات والبعثات الدبلوماسية والأمانة العامة للوزارة، ومن هنا، فإن حضور وزير الخارجية في هذا المسار قائم عبر المؤسسات التابعة لوزارته وعبر القنوات الرسمية التي تشارك في مواكبة المفاوضات وتقديم الدعم الدبلوماسي اللازم لها.
وفي موازاة ذلك، لم يقتصر نشاط الوزير على الملفات التقليدية، فقد برزت تحركاته على أكثر من مستوى لحشد الدعم الدولي للبنان، سواء من خلال التواصل مع الفاتيكان في ما يتعلق بأوضاع المسيحيين في الجنوب، أو عبر لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين لنقل موقف الدولة والتأكيد على ضرورة دعم استقرار لبنان وصون سيادته.
والواقع أن جوهر السياسة الخارجية التي يعكسها رجيّ لا ينطلق من اجتهاد شخصي بقدر ما يعكس التوجه الرسمي للحكومة، فالوزير هو الواجهة الدبلوماسية لقراراتها، والناطق باسم خياراتها في الخارج، ومن هنا جاء تمسكه الواضح بمبدأ حصرية القرار بيد الدولة، وحق المؤسسات الشرعية وحدها في رسم السياسات الكبرى، وهي مواقف قد لا تروق لبعض القوى السياسية التي تنتقده.
ولعل المفارقة أن حجم الحملات التي تستهدف الوزير يشكل بحد ذاته مؤشرًا إلى تأثير مواقفه، فالتجربة السياسية اللبنانية أثبتت أن المسؤول الذي لا يترك أثرًا نادرًا لا يصبح محورًا للانتقاد، أما حين يتحول وزير إلى مادة يومية للسجال، فذلك غالبًا ما يعني أن مواقفه أصابت.
ولم يقتصر حضور رجيّ على الملفات المرتبطة بالمسار التفاوضي فحسب، بل برز أيضًا خلال الاجتماع المغلق والاستثنائي لوزراء الخارجية العرب، حيث حرص على التشديد على أهمية استمرار الدعم العربي للبنان، وضرورة ألا يكون البلد خارج أي إطار إقليمي يبحث فيه مستقبل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، وقد تم ذلك هذا الأسبوع بعيدًا من الاستعراض الإعلامي، انسجامًا مع مقاربة يعتمدها رجي تقوم على العمل الدبلوماسي الهادئ بعيدًا من منطق تسجيل المواقف للاستهلاك الداخلي.
وفي السياق نفسه، تتعامل الوزارة مع الملفات التي ترد إليها وفق الأصول الإدارية، وبمتابعة دقيقة لكل التفاصيل مهما بلغت حساسيتها السياسية، ولعل ملف "الدبلوماسي" الإيراني محمد رضا شيباني شكل نموذجًا واضحًا لهذه المقاربة، حيث تمسكت الوزارة بالإجراءات والقرارات التي اتخذتها في هذا الشأن رغم الضغوط ومحاولات الالتفاف عليها من بعض الجهات، وتؤكد المعطيات أن رجي متمسكًا بتطبيق القرار الرسمي حتى نهايته، مشددًا على ضرورة احترام الإجراءات المعتمدة، ووجوب مغادرة شيباني الأراضي اللبنانية فور انتهاء المهل القانونية المرتبطة بوضعه، باعتباره لا يتمتع بأي صفة دبلوماسية، بل مواطنًا إيرانيًا عاديًا خاضعًا للقوانين نفسها التي تُطبق على جميع الأجانب، وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تعكس إصرار وزارة الخارجية على التعامل مع الملفات الدبلوماسية وفق منطق المؤسسات، بعيدًا من الضغوط السياسية.
بالمختصر، ليس المطلوب منح أي مسؤول حصانة من النقد، فذلك يتعارض مع أبسط قواعد العمل الديمقراطي في البلاد، لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين النقد الموضوعي وبين الأحكام المسبقة، وفي حالة وزير الخارجية، يبدو أن جانبًا كبيرًا من الهجوم عليه يرتبط بطبيعة مواقفه، ففي الدبلوماسية، لا تقاس الإنجازات بعدد التصريحات، بل بقدرة الدولة على تثبيت مصالحها، وفي هذه المرحلة بالذات، دبلوماسية العمل الهادئ أكثر فاعلية من ضجيج المزايدات السياسية.