المحامي رفيق اورى غريزي

ابتسامات معلّبة على أرصفة الغبار والذاكرة

8 دقائق للقراءة

 يجلس العرب في قاعات واشنطن الفسيحة، حيث السجاد الفاخر يمتص خطى الدبلوماسيين العابرين مثلما تمتص رمال الصحراء دماء القتلى دون أثر، وحيث تُوزع الابتسامات الصقيلة كما تُوزع الحبوب المهدئة على المرضى في غرف الإنعاش، هناك جفّ الضوء فجأة في عدسات الكاميرات أمام نظرات ضباط الجيش اللبناني، الذين غادروا كادر اللقطة التذكارية كما يغادر الشاعر الرصيف قبل وصول موكب الزعيم.

لم تكن تلك الخطوة مجرد انسحاب أجساد ترتدي البذلات المرقطة من مستطيل الصورة، بل كانت صفعة حبر جاف على وجه الغوغائية السياسية العريضة التي يحملها على أكتافه يمين غبي بائس، يمين لا يرى في هذا الوطن الجريح سوى مسرح للاستعراض والمناكفات الصبيانية والخطابات المشتعلة بالهواء.

لقد فعل عناصر الجيش حسناً، فعلوا ما يمليه الشرف الحقيقي الذي لا يُباع في معارض الصور، وهم بانسحابهم هذا لم يهربوا من خيمة المفاوضات التقنية المباشرة التي نؤيدها بكامل وعينا وندعمها بقوة من أجل حقن ما تبقى من دماء في عروق هذا البلد المنكوب، بل رفضوا ببساطة تزوير التاريخ المعمد بالرماد، ورفضوا التوقيع على لقطة فوتوغرافية تافهة توحي بمصاهرة مستحيلة بين الجلاد والضحية، في وقت لا تزال فيه دماء عسكريينا ورائحة عرقهم رطبة تحت ركام الثكنات وخطوط النار.

عفواً أيها السادة، ففي حقائبنا المهترئة ومعاطفنا القديمة لا توجد ابتسامات صالحة للتذكار، ولا نملك تلك الرفاهية التي تجعلنا نقف لنؤثث ألبومات وزارة الخارجية الأميركية، فالمشهد اللبناني لم يكن يوماً بطاقة بريدية سياحية تُرسل عبر البريد، بل هو مجزرة مفتوحة على الهواء مباشرة، تترك خلفها في كل جولة مشاهد الدم والخراب والرماد التي تناوب على إشعالها واقتسام غنائمها كل من عقيدة إسرائيل وآيديولوجيتها التوسعية المتعطشة للحدود، وأحلام النفوذ الإقليمي الإيراني التي جُيرت عبر بندقية حزب الله.

ومن هنا بالذات، يجب على تلك الأصوات الجوفاء أن تفهم أن هنالك تقاطعاً لبنانياً داخلياً عريضاً على مسألة حزب الله وسلاحه، تقاطعاً يصر على ضرورة ضبط هذا السلاح وحصره بيد الشرعية وحدها وإعلان قيام الدولة الفعلية التي طال غيابها، لكن هذا التقاطع الداخلي لا ينمّ أبداً عن تقارب مع العدو ولا عن غفران لجرائمه التاريخية، فإسرائيل تحارب الحزب من منطلق آيديولوجي بحت ولحماية مستوطناتها في صراعها الإقليمي الممتد مع طهران، بينما تسعى الدولة اللبنانية المنهكة لسيادتها وحماية ما تبقى من أشلاء مواطنيها، ولا يعنيها أمن شمال إسرائيل ولا مستوطنيه إلا من بوابة كف الأذى والدمار، ومنع إقحام هذا الوطن المستنزف في حروب عبثية بديلة لا ناقة له فيها ولا جمل.

إن الجيش اللبناني الذي جلس في تلك القاعات يفاوض من زاوية تقنية وعسكرية وعملياتية بحتة، تنفيذاً لقرار سياسي واضح وبناءً على توجيهات صارمة من قيادته برئاسة العماد جوزاف عون، ليس هو صاحب المبادرة السياسية ولا صانع قرار السلم الشامل والدائم، وطالما أن هذا السلام الشامل لم يولد بعد، وطالما أن الاتفاقات لا تزال حبراً يسعى فقط لتثبيت خطوط الانسحاب وحفظ الحدود ومنع المجازر اليومية، فإن الدستور اللبناني والقوانين المرعية والعقيدة القتالية الراسخة لهذا الجيش لا تزال ترى في إسرائيل عدواً رابضاً ومعتدياً مستمراً لا يمكن مصافحته بابتسامة غبية أمام الفلاشات.

وتاريخنا الطويل مع هذا العدو، تاريخ الصراع اللبناني الإسرائيلي منذ النكبة، مليء بالمحطات التقنية الصارمة الخالية من العواطف واللقطات الدبلوماسية، حيث كان الضباط اللبنانيون يذهبون إلى طاولات التفاوض بقلوب من حجر وعيون لا ترمش. ففي اتفاقية الهدنة التي وُقعت في الثالث والعشرين من آذار عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين في تلة رأس الناقورة برعاية الأمم المتحدة ووسيطها رالف بانش، مثل لبنان حينها المقدم توفيق سالم والمقدم عادل شهاب، وكانت المفاوضات عسكرية بحتة لتثبيت الحدود الدولية المعروفة بخط بوليه نيوكومب، ولم تشهد اللقاءات أي مظاهر احتفالية أو صور مشتركة، بل كانت اجتماعات ميدانية جافة لإنهاء التبعات المباشرة للحرب.

وحتى حين دارت مفاوضات الناقورة الشاقة بين عامي ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين وألف وتسعمائة وخمسة وثمانين بعد الغزو الإسرائيلي البغيض، وترأس الوفد العسكري اللبناني العميد محمد الحاج، تمسك الوفد بالانسحاب الإسرائيلي الكامل دون قيد أو شرط ورفض تقديم أي تنازلات سياسية أو أمنية تلامس التطبيع، واقتصرت اللقاءات على الجانب التقني البارد دون السماح بالتقاط صور تذكارية توحي بالسلام الشخصي. وتكرر الأمر ذاته في لقاءات اللجنة الثلاثية العسكرية التقنية في الناقورة التي انطلقت منذ عام ألفين وستة لتطبيق القرار الدولي ألف وسبعمائة وواحد، حيث يجتمع ضباط الجيش اللبناني بانتظام مع ضباط العدو في مقرات اليونيفيل لمناقشة الخروقات والخط الأزرق، وطوال عشرين عاماً من هذه اللقاءات، لم يلتقط ضابط لبناني واحد صورة مبتسمة مع ضباط الاحتلال، بل كانت الوجوه دائماً تعكس قسوة البدلات العسكرية والواجب الوطني.

وكما في البر كذلك في البحر، فخلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين عامي ألفين وعشرين وألفين واثنين وعشرين، والتي قاد وفدها العسكري والتقني اللبناني العميد الركن الطيار بسام ياسين، رفض الوفد بدعم كامل من قيادة الجيش أي بروتوكولات دبلوماسية أو صور مشتركة توحي بالسلام، واقتصر الأمر على تبادل الوثائق عبر الوسيط الأميركي حتى توقيع الاتفاق في تشرين الأول من عام ألفين واثنين وعشرين دون لقطة مصافحة واحدة تلوح في الأفق.

هذه العقيدة الصارمة والجافة في التعامل مع التفاوض تحت النار ليست بدعة لبنانية اخترعها ضباطنا في واشنطن، بل هي معدن الجيوش المحترفة والأنظمة التي تعي تماماً الفارق بين التفاوض العسكري والصلح السياسي في تاريخ المنطقة والعالم. ففي مصر وعقب حرب أكتوبر المجيدة، وخلال مفاوضات الكيلومتر مائة وواحد في عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين، التقى الوفد العسكري المصري برئاسة اللواء عبد الغني الجمسي مع الوفد الإسرائيلي برئاسة أهارون ياريف في خيمة معزولة بالصحراء لبحث وقف إطلاق النار وفصل القوات، وكانت الصور المنقولة للعالم تعكس ملامح صارمة كالصخر ولم تكن تذكارية بالمعنى الاحتفالي، بل كانت توثيقاً عسكرياً ميدانياً لنتائج الميدان، وحتى المفاوضات السياسية اللاحقة التي أدت إلى كامب ديفيد قادها رجال السياسة بينما ظل الجيش متمسكاً بحدوده العسكرية دون استعراضات فوتوغرافية تجمع ضباط الصف الأول بابتسامات عريضة.

وفي سوريا، جرت مفاوضات فصل القوات الشاقة في أيار من عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين عبر الوسيط الأميركي هنري كيسنجر لترتيب الأوضاع في الجولان، وفي جولات مفاوضات السلام اللاحقة خلال التسعينيات في واشنطن وشيبردستاون، رفض الوفد العسكري السوري برئاسة العماد حكمت الشهابي التقاط أي صور مشتركة أو مصافحات علنية مع الوفد الإسرائيلي برئاسة إيهود باراك قبل الانسحاب الكامل إلى خط الرابع من حزيران عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين.

وحتى في أشد لحظات التفاوض السياسي حرجاً كمؤتمر مدريد للسلام عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين الذي حضرته وفود عربية وفلسطينية وأردنية مشتركة، أو اللقاءات العسكرية التقنية العراقية الإيرانية عقب حرب الثماني سنوات لتطبيق القرار الدولي خمسمائة وثمانية وتسعين، كان الضباط والمفاوضون يدركون بحسهم العسكري والوطني أن التقاط صورة تذكارية مشتركة مبهجة قبل نيل الحقوق وتوقيع معاهدات السلام المبرمة رسمياً من البرلمانات والدول هو بمثابة خيانة لدموع الأمهات وأنقاض المدن المنكوبة التي لم تجف بعد.

من هنا، ندرك حجم الخطيئة الفكرية التي يرتكبها بعض أقطاب اليمين الداخلي، وحجم السقوط في فخ الغوغائية، حين راحوا ينتقدون هذه الخطوة المبدئية الشجاعة لضباطنا، متناسين أن التفويض القانوني والدستوري الممنوح للوفد العسكري اللبناني في مفاوضات واشنطن الحالية ينحصر بدقة شديدة في الترتيبات الأمنية الميدانية والآليات التقنية لتطبيق القرارات الدولية، ولا يملك أي صلاحية لعقد صلح أو إظهار مظاهر السلام أو القبول ببروتوكولات دمج سياسي تخرج عن إطار الصلاحيات الممنوحة من مجلس الوزراء وقوانين الدفاع الوطني.

إن مواقف بعض الأطراف اللبنانية الداخلية التي حاولت غمز قنوات الجيش أو اتهامه بالهروب، تظهر جهلاً فاضحاً بطبيعة العمل العسكري وبأصول التفاوض تحت النار، في حين أن قامات سياسية وتاريخية لطالما ميزت بدقة بين العداء التاريخي لإسرائيل وبين ضرورة حصر السلاح بيد الدولة تفادياً للحروب العبثية التي تفرضها أجندات المحاور الإقليمية.

إن الجيوش المحترفة لا تبيع الأوهام في كادرات الصور الصقيلة، وضباطنا ذهبوا إلى هناك لانتزاع السيادة وتأمين انسحاب المحتل وتثبيت أمن أهلهم المعذبين في قراهم، وليسوا هناك لتأثيث خلفيات الصور لوزارة الخارجية الأميركية، ومن كان من أولئك الغوغائيين يشتهي صوراً تذكارية ويبحث عن كادرات جميلة، فليذهب ويلتقطها بنفسه فوق الركام الساخن والبيوت المدمرة في الجنوب والضاحية والبقاع، فثَمّة الكثير من التذكارات القاسية والمؤلمة التي تركتها آلات الحرب خلفها، وثمة أطفال كبروا قبل الأوان على أرصفة النزوح ينتظرون من يحمي عودتهم، لا من يبتسم للقاتل في صالونات واشنطن المبردة بينما بلاده تحترق.