الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (9.5) - استراحة... على الهامش

إذا الأمتال حِكَم... ليش بعدنا ما تعلّمنا؟

8 دقائق للقراءة

 من بعد تسع مقالات بالفصحى، حسّيت إنو صار لازم ناخد استراحة...بس متل العادة...حتى الاستراحة طلع عندا شغل.

اليوم رح نحكي باللبناني، مش لأنو الفصحى تعبت، ولا لأنو اللبناني أهضم...بس لأنو الأمتال الشعبية، إذا ترجمتا، بتخسر نص نكهتا... ويمكن كمان نص مصيبتا.

وهيدا المقال مش خارج سلسلة "نحو الإنسانية"، بالعكس...يمكن هو أقرب مقال الا بس عالهامش..

لأنو قبل ما نحكي عن الإنسان، لازم نسأل: شو في ب لاوعي هالإنسان؟

بكل مجتمع، في أفكار ما مندرسا بالمدرسة، بس منكبر عليها، ما الا كتاب، ولا منهج، ولا أستاذ، ولا امتحان، بتوصلنا مع الأيام، من خلال البيت، والشارع، والعادات، والتجارب... والأمتال.

ومع الوقت، بتصير جزء من ثقافتنا المجتمعية، ومن طريقة نظرتنا للحياة، وللناس، ولنفسنا؛ وبتصير، من دون ما ننتبه، جزء من البديهيات.

وهون المصيبة، لأن البديهيات هي أخطر الأفكار، مش لأنا صح أو غلط...لأنها بتوقفنا عن السؤال.

ومن وقت ما الفكرة بتصير بديهية...منبطّل نناقشها، ومنبطّل نختبرها، ومنبطّل نسأل إذا بعدها بتنفع...أو إذا صار ضررها أكبر من إفادتا.

يمكن المشكلة ما كانت أبداً بالمَتَل...المشكلة إنو صار بديهي وسكن باللاوعي.

وساعتها ما عاد نحنا نستشهد فيه...بصير هوي يشهد علينا.

بيتسلّل على اللاوعي، وبشارك، من دون ما نحس، بتشكيل قراراتنا، وتبرير تصرّفاتنا، وطريقة نظرتنا للحياة... وللناس... ولنفسنا.

من هون إجت فكرة هالمقال، مش حتى نحاكم الأمتال...ولا حتى نستهزئ فيا، ولا لنقلّل من قيمة الناس اللي ورتونا ياها، بالعكس...في أمتال لو مشينا فيها، كان يمكن وضعنا احسن... ...وفي أمتال تانية، إذا صدّقناها متل ما هي...يمكن ما يبقى من "نحو الإنسانية"... غير العنوان.

"مين ما أخد أمي... ببصير عمي"

يمكن لو في مَتَل لازم ينحط بمنهج العلاقات العامة بلبنان... هوي هيدا؛ بصراحة، ما بعرف إذا في بلد بالعالم بتكبر فيه العيلة بهالسرعة!

حدا خلّصلك معاملة...صار "عمّك"،

حدا زبّطلك مخالفة...صار "خيّك"،

حدا وعدك بوظيفة...صار من أهل البيت،

وبس تخلص المصلحة...برجع "الغريب"،

يمكن اللي قال هالمَتَل ما كان قصدو هيك، ما بعرف يمكن كان بدو يريّح امو....بس صار القرب بينقاس بالمنفعة، والمصلحة...وصار الإنسان يزيد ع سجل نفوسه ويمحي ... على قدّ الحاجة والمنفعة...

ومن هون يمكن بلّشت ثقافة أخطر من المَتَل نفسه، ثقافة إنو العلاقة وسيلة...مش قيمة؛ وإنو الإنسان مهم...قدّ ما بيفيد، ومن بعدا منستغرب...ليش كلمة "واسطة" بلبنان ما الا ترجمة دقيقة بلغة تانية، مع إنّا صارت ثقافة مجتمعية....واهم كلمة بالقاموس اللبناني...

"الإيد اللي ما فيك تعضها... بوسها، وادعي عليها بالكسر"

هيدا المَتَل عبقري...لأنو اختصر "النفاق" و "الخبث" بجملة وحدة؛ بيقلّك: ابتسم...بس ما تسامح، جامل...بس ما تحترم، حكي منيح...بس خلّي قلبك محل تاني.

يعني المطلوب إنك تغيّر تعابير وجّك...مش قناعاتك.

والأغرب...إنو كتار ما بيشوفوا فيه مشكلة، لأنو "هيك الحياة"، مع إنو إذا كل الناس باسو الإيد اللي ما فيها تعضّا...ودعت عليها بالكسر...يمكن ما بيبقى بالبلد ولا إيد.

يمكن الحكمة الحقيقية ما كانت إنك تعضّا...ولا إنك تبوسا، يمكن الحكمة كانت...إنك تقول رأيك الحقيقي باحترام، وبدل ما تقرّب تمك عليا لتعضّا او تبوسا، قرّب ايدك عليا وامسكا بسلام؛ أما إنك تجمع المجاملة والدعسة بنفس الجملة...فهيدي موهبة لبنانية...فريدة....

"مية مرة جبان... ولا مرة الله يرحمه"

ولأنو المَتَل ما كان كافي...إجا رفيقو يساندو: "الهريبة تلتين المراجل."

أكيد، ما حدا بيحب التهوّر، وأكيد، الحفاظ على الحياة قيمة، بس المشكلة بتبلّش، لما بصير الخوف فضيلة، ولما بصير الهروب حكمة، ولما بصير الجبن شطارة.

أكيد، أوقات الانسحاب حكمة، بس إذا صار الهروب أسلوب حياة...مين بيضلّ يواجه؟

إذا كل واحد هرب من الظلم...مين بيوقف بوجّو؟

وإذا كل واحد خاف يحكي...مين بيقول الحقيقة؟

يمكن المَتَل حمي ناس...بس يمكن كمان خلّى ناس كتار يعيشوا عمرن...واقفين عالرصيف، ناطرين حدا غيرن يعمل أول خطوة.

هيك، شوي شوي...منبطل نواجه، منبطل نعترض، منبطل نقول: "لا"

وبعدين منستغرب...ليش الفساد عندو نفس طويل، يمكن لأنو، بكل مرة وقف فيها حدا ليحكي...طلع مَتَل...وسكّتو. وهيك تعلمنا الزقيف.... ع كل شي منزقّف... شعب بطبعه هوبرجي....و"بيتكيف" مع كل المصايب... الا بالنقّ...

"حبّني... وخود جحش"

هيدا أكتر مَتَل بيكشف سوء فهمنا للمحبة، يعني إذا بتحبني...لازم اعطيك مقابل، واذا ما بتحبني بسألك قديش حقا هالمحبة...منعطيها سعر ومقابل وهيك لما بتسأل حدا بتحب فلان لازم يقلك ليش والا بكون في شي غلط... المحبة ما بتقدر تكون الا مجانية وببلاش... ومن دون اي مقابل... وبس يصير في سعر للمحبة بتصير تنباع عند البياع وتنحط بالميزان ... واذا ما معك "جحش" ما رح تلاقي حدا يحبك... ومن هون فهمنا المحبة غلط، وصرنا نسأل: شو رح آخد؟ قبل ما نسأل: شو رح أعطي؟

ويمكن من هون بلّشنا نفهم المحبة كصفقة...مش كمحبة.

"عصفور بالإيد... ولا عشرة عالشجرة"

أكيد، مش كل مغامرة ذكية، وأكيد، مش كل حلم بيتحقّق، بس إذا كل واحد اقتنع إنو الموجود والمتوفر بكفي... وما في لزوم تعّب حالي واتسلق الشجرة او صوّب البارودة وجرّب نزّل كم عصفور ويصيرو اللي بالإيد اكتر من اللي ع الشجرة، مين كان اخترع؟ ومين كان استثمر؟ ومين كان تعلّم؟ ومين كان طوّر حياتو؟

يمكن هالمَتَل حمي ناس من المغامرات المجنونة...بس اكيد كمان خوّف ناس انن يجرّبوا، وانن يراهنوا على حالن، وانن يحلموا أكتر.... طبعاً المهم يضل في عصافير ....

"بعد حماري... ما ينبت حشيش"

يمكن ما في مَتَل اختصر الأنانية والشخصانية أكتر من هيدا، أنا خلّصت معاملتي...أنا وصلت الكهربا لعندي...أنا عبّيت بنزين...أنا نجحت...انا اكلت وشربت....شو خصني بغيري؟

وهيك، شوي شوي...تحوّلت "أنا" لأكبر من "نحنا" وبعدين منستغرب...ليش كلمة "مجتمع" بعدها صعبة التطبيق وليش ما قادرين نعمل وطن للكل؟ لان "حمارك" يا عزيزي ما خلا حشيش لحدا....بهالوطن.

"كلب المير... مير"

هيدا مش مَتَل...هيدا إعلان رسمي عن ثقافة التبعية، إذا المير عطس...بيطلع عشرين واحد يقولولو: "يرحمك الله"، وإذا كلب المير نبح...بيطلع عشرين واحد يقول: "أكيد عندو وجهة نظر" وإذا سكت... بيقولوا: "أكيد عندو أسبابو"!؛ وإذا المير كبير... كلبو بيصير كبير؛ وإذا المسؤول قوي...لحّق ع "أُمرا"، وبأمرك وبتؤمر...ومن هون، يمكن، طلعت الجملة الكثر استعمالاً بلبنان: "بتعرف مين أنا؟"

"حايدي عن ضهري... بسيطة"

هيدا المَتَل هو الراعي الرسمي لعبارة: "شو خصّني؟"

طالما المشكلة مش عندي...بسيطة، طالما الجورة مش قدّام بيتي...بسيطة...

طالما الزبالة مش ببيتي ولو ع باب بيتي وع طريقي...بسيطة...

وطالما الظلم وقع عغيري...بسيطة.

إذا البلد كلّه وقع...بسيطة...المهم ما يكون وقع ع ضهري.

المشكلة إنو كل واحد قال: "حايدي عن ضهري..."لحدّ ما بقا "حايدي" عن ضهر حدا...لأنو بالمجتمع، ما في شي بيضلّ بعيد عن ضهرك؛ اليوم دور غيرك...بكرا دورك.

بتبلش تصير انسان لما بتبلش تقول: ضهري بيحمل مع ضهرك...

"العز للرز... والبرغل شنق حاله"

الله يرحم البرغل...ما عمل شي ليستحق كل هالظلم! المسكين...لا عمل انقلاب...ولا سرق حدا...كل جريمتو إنو أرخص من الرز!

بس الظاهر إنو من زمان، علّمونا إنو القيمة باللي بيلمع.

إذا غالي... يعني أحسن، إذا مشهور... يعني أفهم، إذا لابس ماركة... يعني أرقى؛ ومن وقتها...صرنا نقيّم البشر متل ما منقيّم البضاعة، بالغلاف...مش بالمضمون.

انشالله خاتمة الاحزان

في شغلة غريبة بلبنان...إنو المَتَل ما كان بس يشرح الواقع...مرات كان يصنعو، يعني بدل ما يكون وصف لطريقة عيش الناس...صار دليل استعمال، كل ما نحتار بموقف...منفتّش عن مَتَل، والمشكلة إنو، لأي موقف تقريباً، في مَتَل... وضدّو كمان في مَتَل.

إذا بدك تخاطر...في مَتَل.

وإذا بدك تخاف...في مَتَل.

إذا بدك تسامح...في مَتَل.

وإذا بدك تنتقم...أكيد في مَتَل.

وإذا بدك تتكسلن... صدّقوني... في أكتر من مَتَل.

يعني، بالنهاية، المَتَل بقرّر عنّا..ومنختار المَتَل اللي بيريّح ضميرنا.

وهون الخطورة، لأن المَتَل، بدل ما يصير نتيجة للتجربة...صار تبرير للغلط، وبدل ما يساعدنا نفكّر... صار يساعدنا ما نفكّر.

ولازم انتبه...إنو المشكلة ما كانت بالأمتال، ولا حتى بالناس اللي قالوها، لأنو كل مَتَل، بالنهاية، هو محاولة من إنسان حتى يختصر تجربة عاشها؛ يمكن كانت مناسبة بوقتها...ويمكن ساعدت غيرو...ويمكن أنقذت حدا من غلطة، بس المشكلة بتبلّش...لما التجربة بتتحوّل لقانون، ولما المَتَل ببصير بلاوعي التفكير، أقوى من الضمير، وأقوى من الإنسان.

وهون ما عاد السؤال: "شو بيقول المَتَل؟"

صار السؤال:

إذا هالمَتَل...

عم يبني إنسان أفضل...

أو عم يعلّمنا كيف نتعايش مع أخطائنا؟

لأنو بالنهاية...في أمتال بتخلّينا أشجع، وفي أمتال بتخلّينا أجبن، في أمتال بتعلّمنا الكرامة، وفي أمتال بتبرّر المصلحة، في أمتال بتقرّب الناس من بعضا، وفي أمتال بتزرع الشكّ وبتفرّق الناس عن بعضا...

وهون...

بتنتهي استراحتنا، ومنرجع نكمّل رحلتنا بـ"نحو الإنسانية".

لأنو إذا كانت الثقافة المجتمعية بتساهم بتشكيل طريقة تفكير الإنسان... فالفهم هو أول خطوة حتى نعيد تشكيل هالثقافة.ومن هون...منكمّل بالمحطة الجايي...

"الفهم قبل الحكم."

لأنو يمكن اكتر شي بيأذينا...مش إنو نختلف، أكتر شي بيأذينا...إنو نحكم على الناس...

قبل ما نفهما، وإذا كان في مَتَل واحد بتمنّى يضلّ معنا...فهو: "عقلك براسك... بتعرف خلاصك."

مش لأنو أجمل مَتَل... لأنو المَتَل الوحيد...اللي بيخلّيك توقف...وتفكّر...

قبل ما تصدّق...

أي مَتَل تاني...