تقول النقطة الأولى من اتّفاق الإطار الذي وقّعه دبلوماسيّون لبنانيّون وإسرائيليّون في واشنطن: "تؤكّد إسرائيل ولبنان حقّ كلّ دولة في الوجود بسلام". كلمات قليلة هي ثورة بأوضاعنا السياسيّة، لا لأنّها تثبّت اعتراف إسرائيل بحقّ لبنان بالوجود والعيش بسلام، وهو ما لم تنفه إسرائيل مرّة، بل لأنّ لبنان رد الاعتراف باعتراف متبادل. منذ كان لبنان، هو عالق بين دولة لا تعترف به هي سوريا، وأخرى لا يعترف هو بها هي إسرائيل. هل تغيّر الجزء الأوّل من المعادلة؟ ربّما. إلى الساعة أقلّه، مواقف الحكم السوري الجديد من لبنان مقبولة. مع اتّفاق الإطار، يتغيّر الجزء الثاني أيضًا، عنيت رفض لبنان الاعتراف بإسرائيل، والإعلان عن استعداد بلادنا الصريح للعيش بسلام مع جارتها الجنوبيّة.
عمليًّا، كلّ النقاط الباقية في الاتّفاق ترجمة تنفيذيّة للنقطة الأساس: حقّ الوجود بسلام. وكلّها، أيضًا، مصلحة بديهيّة للبنان، خصوصًا تأكيد النقطة الثانية استعادة الدولة اللبنانيّة، عبر قوّاتها المسلّحة، سلطتها على كامل أراضيها؛ وإعلان إسرائيل بالنقطة الخامسة أنّها "لا تملك أيّ أطماع إقليميّة في لبنان"؛ ورفض لبنان، بالنقطة السادسة، "ادّعاءات أيّ دولة أو جهة غير حكوميّة استخدام القوّة نيابة عنها دون تفويض صريح منها". لا تتّسع هذه العجالة لتفنيد كلّ ما هو جيّد في نصّ التفاهم. ليست مبالغة القول إنّه إعلان استقلال ثان للبنان، بعد استقلال سابق زمن رحيل الاحتلال السوري عام 2005. يستحقّ السفير سيمون كرم، والسفيرة ندى حمادة معوّض، ووزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو، شكر اللبنانيّين وامتنانهم.
تعليق وليد جنبلاط السلبي على الاتّفاق جدير بتاريخه الطويل في كراهية لبنان والعمل لتخريبه، إلى جانب ياسر عرفات أوّلا، وحافظ الأسد ثانيًا، وصولا اليوم إلى التماهي مع قوى كالقومي السوري، ونبيه برّي، و "حزب الله"، بالحرتقة على الاتّفاق أو برفضه. القوى نفسها أطبقت مع الحكم السوري على أنفاس لبنان يوم وعدت اتفاقيّة 17 أيّار بتخليص بلادنا من براثن حافظ الأسد، وكابوس الحرب إلى الأبد مع إسرائيل. ألّا يرى جنبلاط من كلّ ما جرى غير أنّ الاتّفاق غيّب اتفاقيّة الهدنة، وأن يتّصل برّي بجنبلاط لتهنئته، يعيد تأكيد المؤكّد لجهة أنّ مرور الرئيس السابق للاشتراكي بـ14 آذار قبل زمن بات بعيدًا كان عابرًا، ومجرّد قفزة تكتيّة من سفينة آل الأسد في لبنان يوم غرقت. النزعات العميقة لوليد جنبلاط، ومكانه الطبيعي، إلى جانب القومي، والخمينيّين، ونبيه برّي، ضدّ لبنان.
وعمومًا، كلّ هذا ليس الأساس. مربط الفرس نقل الاتّفاق الإطاري من النظري إلى العملي، أي تطبيقه. نعم، نصّ الاتّفاق ممتاز. ولكن القرار 1559 كان كذلك أيضًا. والقرار 1701. مع ذلك، بقيا حبرًا على ورق لجهة حصر السلاح بالدولة اللبنانيّة لأنّها عجزت عن التعاطي مع الميليشيا الشيعيّة بالطريقة الوحيدة التي تفهمها وتستحقّها: ضربها بالقوّة. وإذا ما تكرّر السيناريو نفسه اليوم، فستتكرّر النتيجة نفسها. هل ستعطي الحكومة اللبنانيّة الجيش اللبناني أمرًا بمواجهة الميليشيا على الأرض؟ ولو حصل ذلك، ماذا سيفعل رودولف هيكل؟ هنا السؤال اليوم. كان المفكّر الفرنسي ريمون آرون يفسّر الدولة كتقاطع ثنائية الدبلوماسي والعسكري. وأمّا الدبلوماسي اللبناني، فقد خدم بلاده كأحسن ما يكون. ماذا عن العسكري؟
مبعث القلق الثاني أبعد من الضعف التقليدي للحكم اللبناني. صبر إيران في سعيها لاستتباع لبنان طويل. معروف، في المقابل، أنّ الأمر غير صحيح بالنسبة للولايات المتّحدة. هنا أيضًا، يحضر زمن الثمانينات بالبال: وزير خارجيّة حافظ الأسد، ونائبه لاحقًا، عبد الحليم خدّام، تهكّم عام 1983 أمام دبلوماسيين أميركيّين على بلادهم لأنّها في لبنان "فقدت أنفاسها بسرعة". ومعلوم اليوم أنّ دونالد ترامب يشعر بالسأم السريع من القضايا المعقّدة. الأكيد أنّ محور إيران - "حزب الله" - "أمل" سيحاول عرقلة الحلّ. هل ستدير الولايات المتّحدة ظهرها لنا مجدّدًا، كما فعلت يوم غادرنا المارينز عام 1984؟