بدعوة من المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية، التابع لجامعة الدول العربية، ومؤسسة كونراد اديناور الألمانية، انعقدت في ميلانو-إيطاليا في 27 و28 حزيران الجلسة الحوارية لرؤساء المحاكم العليا في الدول العربية بعنوان "نحو تعزيز التواصل القضائي". شارك في اللقاء رؤساء محاكم عليا وممثلين عنها من مختلف الدول العربية ومن إيطاليا وألمانيا.
خلال الجلسة كانت كلمة للرئيس الأول لمحكمة التمييز اللبنانية – رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود استهلها بالتشديد على أنّه : "في حين يتّجه العالم أكثر فأكثر نحو أحادية القرار والتفرّد به، وفي زمنٍ تتكاثر فيه الحروب، وتُبنى الجدران، وتُهدم الجسور بين الشعوب والثقافات، وفي الوقت الذي يتراجع فيه مستوى التخاطب، رغم التطور الهائل في وسائل التواصل، نأتي معاً إلى هذه الجلسة الحوارية لرؤساء المحاكم العليا تحت عنوان "تعزيز التواصل القضائي" لنؤكّد أن الحوار الصادق الحرّ، يبقى الركيزة الأساسية لترسيخ ثقافة التقارب بين الشعوب، وتعزيز الثقة المتبادلة بينها، ويبقى المدخل الأسمى لتحقيق العدالة والسلام المبني على الحقّ. (...) ومن هنا تبرز أهمية الحوار بين الأنظمة القانونية والتجارب القضائية المختلفة، لأن تنوّع الآفاق لا يتعارض مع وحدة المبادئ، واختلاف السبل لا يحول دون الالتقاء عند الغاية المشتركة. وكما قال المستشار الألمانيKonrad Adenauer ، صاحب هذا الصرح العريق والجميل: "نحن جميعاً نعيش تحت سماء واحدة، وإن اختلفت آفاقنا".
ثم تناول القاضي عبود في مداخلته، واقع السلطة القضائية في لبنان في ضوء التشريعات النافذة، مع التوقّف عند التعديلات المرتقبة في إطار مشروع قانون تنظيم القضاء العدلي، الذي أعيدت مراجعته من قبل وزير العدل، ثم أُحيل مجددًا إلى مجلس القضاء الأعلى الذي أنهى دراسته الأسبوع الماضي. كما تطرّق لأبرز النقاط التي يتضمّنها مشروع القانون، في سبيل تعزيز دور مجلس القضاء الأعلى، ومن خلاله استقلالية السلطة القضائية، ذلك أنّه لا يمكن الحديث عن سلطة قضائية مستقلة، من دون التوقف عند الدور المحوري لمجلس القضاء الأعلى، الذي يجسّد هذه السلطة ويُعدّ الضامن الأول لاستقلاليتها ولحسن سير العدالة.
تتمثّل أبرز الإصلاحات التي يتضمنها مشروع القانون المذكور في إعادة تنظيم آلية تشكيل مجلس القضاء الأعلى، من خلال توسيع التمثيل الانتخابي للقضاة واستحداث آلية جديدة لتعيين الأعضاء الحكميين، تقوم على إعداد مجلس القضاء الأعلى لائحة تضم ثلاثة مرشحين لكل مركز، تُحال إلى وزير العدل تمهيدًا لاختيار أحدهم من قبل مجلس الوزراء، بما يحدّ من السلطة التقديرية المطلقة للسلطة التنفيذية في التعيينات القضائية. كما يشمل المشروع استحداث آليات لتمثيل المطالب الجماعية للقضاة والنظر في الشكاوى المتعلقة بالشأن القضائي. ويكرّس المشروع دور مجلس القضاء الأعلى في إعداد التشكيلات والمناقلات القضائية وفق معايير موضوعية وشفافة، بحيث يتولى المجلس وضع مشروع التشكيلات وإحالته إلى وزير العدل لإصداره بمرسوم. وفي حال نشوء خلاف بين الطرفين، تُعتمد آلية تشاورية لمعالجته عبر جلسة مشتركة، على أن يعود القرار النهائي للمجلس إذا استمر الخلاف، ويُعتبر مشروع التشكيلات نافذًا حكمًا في حال عدم صدور المرسوم ضمن المهلة القانونية المحددة، بما يعزز استقلالية السلطة القضائية ويحدّ من التدخلات السياسية في إدارة شؤونها. كذلك، يُناط بالمجلس إعداد مشروع موازنة المحاكم العدلية ومشروع موازنة مجلس القضاء الأعلى، بما يعزز استقلاليته الإدارية والمالية. ويُؤمَل أن يشكل إقرار هذا المشروع وتطبيقه محطة مفصلية في مسار تعزيز استقلال القضاء في لبنان، ولا سيما إذا أُخذت في الاعتبار الملاحظات الجوهرية التي أبداها مجلس القضاء الأعلى.
في الختام، وانطلاقاً من رمزية المكان، وعنوان الجلسة الحوارية، أقترح عبود على زملائه في المجالس العليا العربية، المبادرة الى تعزيز التعاون الثنائي بين المجالس العليا من خلال الاتفاقيات الثنائية، وهو ما سيقدم عليه قريباً مجلس القضاء الأعلى اللبناني مع المجلس الأعلى للقضاء في سلطنة عمان، ومع المجلس الأعلى للسلطة القضائية في المملكة المغربية، من خلال توقيع مذكرة تفاهم بينها. كما دعا المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية إلى المبادرة لإطلاق الشبكة العربية لمجالس القضاء العليا وللمحاكم العليا، على غرار الشبكة الفرنكوفونية لمجالس القضاء العليا، على أن تعمل الشبكة في إطار جامعة الدول العربية، مع نظام داخلي خاص بها، وذلك بهدف إبقاء هذا الحوار مفتوحاً، والعمل على ترجمة خلاصاته وتوصياته إلى خطوات عملية، لما من شأنه تعزيز حكم القانون وترسيخ العدالة.