يعتبر النائب السابق زياد أسود أنّه غير نادم على 35 عامًا من النضال في "التيار الوطني الحر" ويرى التيار الذي تأسّس بقوّة معظم الذين صاروا خارجه اليوم، صار كأنّه "بورة كسر"، وأنّ ميشال عون لم يعمل رئيسًا في بعبدا، بل ناطورًا لكي يؤمّن انتخاب باسيل من بعده، ونكاية بسليمان فرنجية قطع الطريق عليه كما فعل مع سمير جعجع وحاول أن يفعل مع العماد جوزاف عون. تفاصيل هذه الخلافات وهذه النظرة للعماد عون وجبران باسيل بعد هذه التجربة يرويها أسود ل"نداء السنين" في هذه الحلقة الخامسة والأخيرة.
- على رغم الخلاف مع العماد عون بقيتم في "التيار" أنت وألان عون. نعيم عون كان ترك.
بقينا. نعم. أنا كنت نائبًا مسؤولا عن منطقة وعن قصص كثيرة كانت من مسؤوليتي وكنت رأس حربة في الملفّات الأساسية وعلى الأرض لا أستطيع أن أترك الناس على الطرقات وأن أكوِّع. ولكن الأجواء لم تكن مريحة ولم يكن هناك انسجام أبدًا. مرّة قاطعت الرابية تسعة أشهر وكنت نائبًا، بسبب مخادعته وكذبه عليّ.
- في 2018 نجحت في الانتخابات رغمًا عن العماد عون؟
عام 2018 لم يكن يريدني. كان يريد جان عزيز. أمل أبو زيد وجان عزيز. يسقط واحد وينجح واحد. يسقط جان عزيز بسيطة. يكون نجح أمل أبو زيد لأن هناك "الهبرة" (المال).
- كيف فرضت نفسك؟
الناس فرضتني.
- كان هناك إيعاز بالتصويت لأمل أبو زيد؟
نعم في الـ2018. ولكن عندما رأوا قبل أسبوعين أنّ الأمور ستفرط وقّف ميشال عون. في الـ2022 ميشال عون شخصيًا كان قاعدًا في مكتبه في القصر الجمهوري ويتّصل بالناس. عمل مدير انتخابات لأمل أبو زيد. واحد يشتغل له القصر الجمهوري والأجهزة والدولة و"التيار" والماكينة والمصاري حتى ينجّحوه. ويحاربون واحدًا حتى يسقّطوه. من يكون الأقوى؟ شدّوا بالضعيف لينجّحوه لكنّه سقط. وكسّروا القوي ليسقط فسقط الإثنان. هذه نتيجة ورطاتهم وطمعهم بالمصاري وتغطيتهم للفساد وتطنيشهم عن تبييض الأموال وهذه هي الألاعيب التي يلعبونها من تحت الطاولة مع الذين لديهم المال.
- في الـ2016 كنت مع تفاهم معراب بين "التيار" و"القوات"؟
أنا لم أكن مع هذا الاتفاق بهذا الشكل. الشباب كانوا معه. أنا الوحيد الذي كنت معترضًا. طلع في الإعلام أنّ زياد أسود ضدّ المصالحة. بالنسبة إليّ كانوا كذّابين، الطرفين. يعملون مصلحتهما لا مصالحتهما. المصالحة لا تكون بعقد قسمة ما تبقى من جبنة المواقع والمناصب وإلغاء المسيحيين الآخرين. المصالحة تكون على جوهر المشكل الأساسي الذي جعل "القوات" وميشال عون يتقاتلون. من هناك تبدأ المصالحة. هناك 2000 قتيل وخراب بيوت وتطيير صلاحيات.
- ولكن وصول ميشال عون إلى قصر بعبدا كان نتيجة هذا التفاهم.
نحن لم نتقاتل من أجل موقع في وزارة الطاقة أو في كازينو لبنان أو في شركة الكهرباء. تقاتلنا على جوهر سياسي أساسي. على خطّين لا يلتقيان وأدّى ذلك إلى تطيير المنطقة الشرقية بكلّ مقوّماتها.
- ربما كان مطلوبًا من بعد هذا الاتفاق أن تكمل الأمور في هذا الإتجاه لتقوية الحضور المسيحي.
ما كمّلت. حصلت عملية خداع. من يصل ويترك الآخر قبل.
- منذ وصوله إلى قصر بعبدا كان الجنرال عون يحضّر ليخلفه باسيل؟
أكيد. كانت الدورة الثانية جبران باسيل. ميشال عون ما عمل رئيس جمهورية. ميشال عون عمل ناطور بالقصر الجمهوري وكل هدفه كان أن يشتغل ليؤمِّن انتخاب جبران باسيل من بعده. ميشال عون ما كان عنده قضية اللبنانيين ولا قضية المسيحيين ولا جوعهم ولا تعبهم ولا رزقهم. سمِّ لي قرارًا واحدًا وقّعه عون كرئيس جمهورية. موقفًا واحدًا. سمِّ لي انتفاضة واحدة عملها على طاولة مجلس الوزراء. سمّيلي يا خيي. هيك علامة حتى أحفظها له قبل ما موت، إنّو عمل شي. عمل ناطور بالقصر الجمهوري.
- صار الانهيار وثورة 17 تشرين
من أداروا البلد وركَّبوا التركيبات وأفلسوا البلد واحد منهم جبران باسيل. هو مع الباقين حتى لا نقول لوحده. مش لوحدو. مش هالقد حجمو. عملوا طبخة المغلي مع بعضهم وعندما فرطت القصة وانكشفت صار بدهم يكبّوها على حدا.
- تعتقد أن ميشال عون كان مشلول الإرادة في رئاسة الجمهورية؟
نعم.
- كان يستطيع أن يخرج من التفاهم مع "حزب الله" وبدل ذلك كرّس العهد لخدمة "الحزب"؟
كرّس العهد لخدمتين: خدمة جبران باسيل ومطامعه وتنويم التسويات من دون أن يعود ويفرطها. عمل تسوية مع "حزب الله" قيّدته ولم يفرطها. عمل تسوية مع بيت الحريري قيّدته ولم يفرطها. فرطت لوحدها وليس هو من فرطها. هو وصل إلى قصر بعبدا مقيّدًا. أجا وقعد عالكرسي هيك. من الأساس مقيّد. عامل اتفاقات من تحت الطاولة، الله يعلم أين طبخها جبران باسيل. لأنّه لا يمكن أن يصل شخص إلى رئاسة الجمهورية بعد هذا المسار الطويل من النضال وهذه الأكلاف وكل هذه الأخطار والأضرار والشهداء وتطيير صلاحيات الرئاسة والشعارات الكبيرة وهو يقول عندما أصل سيكون شي تاني وما رح خلّيكم تبكوا. من يتذكّر الخطاب الشهير ما رح خلّي حدا يبكي والرئاسة لنا وبس أوصل ما بعرف شو بدّي أعمل؟ وصل على بعبدا. لما حطّ إجرو على السجادة الحمرا صار غير زلمي. لماذا؟ ما الذي غيَّره؟ هالكرسي شو فيها؟ لماذا تتغيّر الناس عندما تقعد عليها؟ هل يمكن أن أفهم؟
- الخلاف الأساسي مع "حزب الله" كان بسبب عدم تبنّي ترشيح جبران باسيل وترشيح سليمان فرنجية بدلا منه؟
أحد الأسباب. بحسب رأيي ما كان "الحزب" يستطيع أن يتبنّى جبران باسيل.
- لماذا؟
لأنّهم واعدين سليمان. سليمان عمل تضحية. لو كان يريد أن يعمل رئيس جمهورية ويكسر القاعدة الأساسية بين "حزب الله" و"التيار" كان بقي على ترشيحه وعمل رئيسًا غصبًا عن "التيار" و"الحزب". كان حاصلا على دعم من القوى الأخرى. وكان عنده أصوات وبيقدر يوصل. هو رفض. من باب الأخلاق رفض. وهم من باب الوعد قالوا له المرة الثانية. عندما وصل دوره في المرة الثانية مثل العادة نطّ جبران باسيل ليقطع الطريق عليه. كما فعل مع جوزاف عون. اتهمه بأبشع التهم وحاول أن يقطع الطريق عليه. كما فعل أيضًا مع سمير جعجع. تنيناتهم مش هيّنين ولكن في حدا نطّ على الثاني بالأول. تنيناتهم كانوا ناطرين بعض. واليوم رجعنا جعجع عون وعون جعجع.
- "التيار الوطني الحر" إلى أين اليوم؟
إذا بقي على هذه النماذج التي يرشّحها كأنّه يذهب إلى بورة الكسر ويختار منها أحلى قطعة مستعملة.
- كلهم يأتي بهم من بورة الكسر؟
من الكسر. ما في قضية. ما في ملف. سيرة ذاتية عليها علامات استفهام. تكوين ثروات مشبوهة وأموال فساد. ما هذا؟ يرشّح الذين يشبهونه أو يشبهون المستقبل الذي يعد الناس به. يرشّح من المستودع. شو بعد في كسر جيبوه.
- أنتم الذين خرجتم من "التيار" مع الياس بو صعب وابراهيم كنعان وسيمون أبي رميا وألان عون، حاولتم أن تكودروا حالة معارضة؟
نعمل إجتماعات ولكن مش قصة حالة. نحن على تواصل لكي نستطيع أن نحافظ على منهجية سياسية محددة حتى لا يذوب "التيار" التاريخي في خطاب جبران باسيل وسعدناته وكل يوم مع حدا وكل يوم ضدّ حدا. نحاول وضع أساس ليبقى تاريخ "التيار" لمن هم مناضلون تاريخيّون في "التيار" وليفهموا أنّه لا يمكن أن يأتي أحدهم ليذوّبكم. هناك ذاكرة نحاول أن نبقيها حية لنرى أين ستحطّ بنا المراحل الآتية. لأنّو في واحد دوّب كل شي. ما بقا في شي من التيار لا من تاريخو ولا من نضالاتو ولا من شعاراتو ولا من ذكرياتو ولا من برنامجو. لأنّنا نتعامل مع ناس عليك أن تعدّ أصابعك بعد أن تسلّم عليهم.
- نادم على هذه التجربة؟
لا. ما عملته لست نادمًا عليه. عملت المعارك التي هربوا منها كلّهم.
-ولكن التجربة انتهت إلى شيء آخر؟
ولو كان. هذه التجربة تشرّفني.
- تعتبر أنّك خسرت النضال في سبيل آخرين؟ أحدهم استعمل نضالك وسرقه؟
نعم. استعمل النضال واستثمر فيه وفي تعبنا وجهوزيتنا الفكرية والإجتماعية والثقافية وأحرقها في اللعب بالأموال والتشبيح وفي الكذب على الأحزاب والناس. حزب استلمه واحد نفسه (غير شريفة) حتى لا أقول أكثر من ذلك.
- كيف تصف تجربة الجنرال عون من سنة 1984 عندما صار قائدًا للجيش لغاية اليوم؟
أطول كذبة في التاريخ اللبناني. إذا بتروح بتقعد بالصالونات مع كل الذين كانوا ضباط وعسكر سيقولون لك نفس الجواب. الفرق بيني وبينهم أنّهم لا يقولون ذلك أمام الكاميرا. أطول كذبة في التاريخ مرقت على أكثر ناس أوفياء وقبضايات وأوادم. وما رح نتعلّم. صرنا في مرحلة أخرى. استلحاق الضرر صعب واستلحاق المرحلة المقبلة أصعب لأنّه لا تجد لديك رؤية سياسية. فكرتك عن لبنان ضاعت. لا تعرف ماذا سيأتي وكيف سنخرج من هذه الحرب. بالانتصار؟ أكيد لأ. بالعسكر؟ لا تُحسَب. بالسياسة؟ أكيد لأ. لأن فاتوا الجماعة (الجيش الإسرائيلي). بإخراجهم؟ كيف؟ يعني كأنّك تؤسس لـ40 سنة جديدة من الحروب والدمار والشهداء في دولة مسروقة ومنهوبة.
لقراءة الجزء الأول من الحوار
لقراءة الجزء الثاني من الحوار
لقراءة الجزء الثالث من الحوار
لقراءة الجزء الرابع من الحوار