الدكتور سايد حرقص

لبنان على رقعة الشطرنج الكبرى

3 دقائق للقراءة

لفهم ما يجري في لبنان اليوم، لا تكفي متابعة الأخبار اليومية أو الغرق في تفاصيل السجالات السياسية الداخلية؛ فالأزمة اللبنانية، على تعقيدها، تبدو في كثير من الأحيان أكبر من أن تُفسَّر بعوامل محلية فقط. ذلك أن لبنان، بحكم موقعه وتاريخه وتركيبته، لم يكن يوماً معزولاً عن الصراعات الإقليمية والدولية، بل كان غالباً أحد ميادينها الأكثر حساسية.

​في كتابه «كيف يعمل العالم حقاً» (How the World Really Works)، يشرح المفكر الكندي-التشيكي فاكلاف سميل أن العالم لا تحكمه مؤامرة خفية أو سلطة عالمية واحدة، بل شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية، والطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإنتاج، والقوى السياسية الكبرى. ومن هذا المنظور، تبدو الدول الصغيرة جزءاً من منظومة عالمية أوسع، تتأثر بقراراتها أكثر مما تؤثر فيها.

​من جهة أخرى، يُفكك المفكر البريطاني مارتن وايت، في كتابه «سياسة القوة» (Power Politics)، حقيقةً بنيوية غالباً ما تسقط من حسابات الخطابات السياسية المحلية، وهي: أن العلاقات بين الدول لا تُصاغ بالنوايا الحسنة أو الشعارات الأخلاقية، بل تُحركها ديناميكيات موازين القوى والمصالح الحيوية. ورغم ما تحظى به مؤسسات القانون الدولي من رمزية، إلا أن الدول الكبرى تظل، في المنعطفات الاستراتيجية والأزمات الوجودية، محكومةً بحسابات الأمن وتوسيع النفوذ كأولوية تتقدم على أي اعتبار آخر.

​ويبلغ هذا المنطق ذروته في كتاب «رقعة الشطرنج الكبرى» (The Grand Chessboard) لمستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي. ففي هذا الكتاب، يصور بريجنسكي العالم كساحة تنافس جيوسياسي مستمر بين القوى الكبرى، حيث تتحول المواقع الاستراتيجية إلى أوراق قوة تتجاوز قيمتها حجمها الجغرافي أو الديموغرافي.

​ومن هنا يمكن فهم المفارقة اللبنانية؛ فلبنان بلد صغير في المساحة وعدد السكان، لكنه يقع على تماس مباشر مع أحد أكثر خطوط التوتر اشتعالاً في العالم: الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والتنافس الإيراني _ العربي _ التركي _ الإسرائيلي _ الأميركي_ الصيني _ الروسي_ الاوروبي، إضافة إلى التغيرات المتسارعة في الشرق الأوسط. لذلك، كثيراً ما بدا لبنان أكبر من حجمه في الحسابات الدولية، ولكنه كدولة وكسلطة محلية، أصغر من قدرته على التحكم بمصيره.


​بناءً على ما تقدم، إن أزمة لبنان ليست محصورة في فساد السلطة والإدارة، أو في الاقتصاد المنهار، أو في النظام السياسي المأزوم فقط، بل هي أيضاً أزمة موقع جيوسياسي. فالدولة اللبنانية وجدت نفسها على خط الزلازل السياسية وفي قلب تقاطع مصالح ومشاريع دولية متنافسة، ما يجعلها عرضة بصورة دائمة لهزات صراعات تهب عليها من خارج حدودها.

​لكن الجغرافيا، وإن كانت قدراً محتوماً، فإن التاريخ يثبت أن الدول الصغيرة تستطيع، عندما تمتلك شعوبها انتماءً وطنياً قوياً وعقداً اجتماعياً مبنياً على المصلحة العامة تنبثق منه مؤسسات قوية ورؤية وطنية واضحة، أن تحوّل موقعها الجغرافي من ساحة صراع إلى مساحة توازن ومصلحة، وهذا تحديداً ما يفتقر إليه لبنان شعباً وسلطة.

​ففي عالم تحكمه القوة والمصالح، كما يقول مارتن وايت، وفي رقعة دولية تشبه لعبة الشطرنج كما وصفها بريجنسكي، يبقى السؤال المطروح على الشعب اللبناني: هل سيظل يتصرف كرعايا تتحرك بإرادة دول أجنبية، أم ينجح يوماً في أن يصبح شعباً يشارك في رسم قواعد اللعبة نفسها؟