ليس صدفة أن يتزامن انهيار الدولة اللبنانية، كلما تعاظم السلاح الخارج عن سلطتها. وليست مصادفة أيضاً أن يصبح لبنان، منذ أكثر من نصف قرن، ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، فيما يدفع اللبنانيون وحدهم ثمن الحروب والدمار والانهيار والهجرة.
المعادلة باتت واضحة إلى حدّ لا يحتاج إلى كثير من النقاش: كلما تأخر لبنان في فرض حصرية السلاح بيد الدولة، ومنع أي جهة من تحويل أرضه، ولا سيما الجنوب، إلى منصات صاروخية تخدم مشاريع خارجية، كلما بقي رهينة الانهيار الأمني والاقتصادي وبالتالي الاجتماعي.
هذه ليست وجهة نظر عاطفية، بل خلاصة تجربة تاريخية طويلة.
بدأت الحكاية فعلياً عام 1958، حين بدأ لبنان يتأثر تدريجياً بصراعات المنطقة. وبعد سنوات، ومع صعود العمل الفدائي الفلسطيني وانتقال قواعده إلى الأراضي اللبنانية، خصوصاً بعد اتفاق القاهرة عام 1969، بدأت الدولة تفقد سيادتها الفعلية على أجزاء واسعة من أراضيها. أصبح الجنوب ساحة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، لا يقرر أهل الجنوب مصيرها، ولا تقررها الدولة اللبنانية، بل قررتها حسابات إقليمية أكبر من لبنان.
ومع تراجع هيبة الدولة، كانت الشرارة التي قادت إلى انفجار الحرب اللبنانية عام 1975، وهي حرب لم تكن مجرد صراع داخلي، بل نتيجة مباشرة لتحول لبنان إلى ساحة تتصارع عليها مشاريع الخارج.
وحين انتهت الحرب، ظن اللبنانيون أن صفحة الميليشيات قد طويت مع اتفاق الطائف، لكن إبقاء ميليشيا حزب الله على سلاحها جعلت الحروب دائمة والفتن تحت نارٍ هادئة أحيانًا وقويًّة أحياناً أخرى، حسب ما تريدها "ولاية الفقيه" وليّة أمر حزب الله ونعمته، وهو الذي منذ الإعلان عنه في ثمانينيات القرن الماضي، دخل لبنان مرحلة جديدة من الارتهان لمحور إقليمي تقوده إيران.
خلال أربعة عقود، لم يكن لبنان صاحب قرار الحرب والسلم. من عمليات الثمانينيات، إلى حرب تموز 2006، إلى الانخراط العسكري في سوريّا دفاعاً عن نظام بشار الأسد، وصولاً إلى فتح جبهة الجنوب بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023، بقي اللبنانيون يدفعون الثمن: أكثر من 4000 قتيل ، و 13000 ألف جريح سقطوا بحسب قاليباف رئيس البرلمان الإيراني دفاعًا عن إيران وفداءً عن شعبها، بالإضافة إلى مليون ونصف مهجّر، 530 مليون دولار خسائر في قطاع الزراعة، و 20 مليار دولار خسائر والأرقام بحسب المركز العربي للأبحاث، وبالتالي اقتصاد ينهار أكثر فأكثر مع كل مواجهة.
في كل مرة كان يُقال إن السلاح يحمي لبنان، لكن النتيجة كانت دولة أضعف، واقتصاداً أكثر هشاشة، واستثمارات تهرب، وشباباً يهاجرون، ومجتمعاً يزداد فقراً وانقساماً وفتنة يهدّد بها ويشعلها حزب الله كلّما لحظ دخان دولة ما تقوم.
اليوم يقف لبنان أمام فرصة مختلفة، وربما تكون الأخيرة.
ليست هذه المرة شبيهة بالمحطات السابقة، لأن الظروف تبدلت بصورة جذرية.
في الداخل، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يقود البلاد رئيس للجمهورية يرفع بوضوح شعار استعادة الدولة وسيادتها، وتدعمه حكومة تضع تنفيذ القرارات الدولية وبسط سلطة الدولة ضمن أولوياتها. وإلى جانب ذلك، أصبح في السلطة أكبر تمثيل سياسي للقوى السيادية، وفي مقدمتها حزب القوات اللبنانية، بما يؤمن غطاءً شعبياً وسياسياً واسعاً لأي مسار جدي نحو حصرية السلاح.
أما إقليمياً، فقد تبدلت المعادلات أيضاً. النظام السوري الذي شكل لعقود المعبر الأساسي للمشروع الإيراني في لبنان لم يعد كما كان. والمحور الإيراني يواجه ضغوطاً غير مسبوقة بعد سلسلة الضربات التي تعرض لها في المنطقة. كما أن البيئة الإقليمية والدولية باتت أكثر تشدداً تجاه أي سلاح خارج سلطة الدول، وأكثر إصراراً على تثبيت الاستقرار عبر مؤسسات الدولة لا عبر التنظيمات المسلحة، والدليل على كل ما ذكرناه إستمرار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وتوصّلها إلى "إتفاق الإطار" بالرغم من وضع بند يتكلّم عن لبنان في ورقة التفاهم الأميركية الإيرانية، في رسالة واضحة للداخل اللبناني والخارج "تحرير القرار اللبناني من السجن الإيراني" .
لذلك، فإن مقارنة المرحلة الحالية بالمحطات السابقة تظهر اختلافاً جوهرياً. ففي كل الاتفاقات السابقة كانت الدولة ضعيفة، والقوى السيادية مشتتة، والغطاء العربي والدولي أقل انسجاماً، أما اليوم فإن عناصر القوة باتت تصب، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، في مصلحة الدولة اللبنانية.
وإذا نجح هذا المسار، فإن المكاسب ستكون تاريخية.
لن يكون الإنجاز مجرد جمع للسلاح، بل إعادة بناء لبنان كله.
سيعود قرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الدستورية. وستستعيد الدولة هيبتها على كامل أراضيها. وستفتح أبواب الاستثمارات العربية والدولية من جديد، ويستعيد القطاع المصرفي جزءاً من الثقة، ويتراجع خطر العقوبات، ويعود الجنوب مساحة للحياة لا ساحة للحروب. وسيتمكن اللبنانيون أخيراً من بناء اقتصاد طبيعي، بعيداً عن منطق الطوارئ الدائمة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يستطيع لبنان تنفيذ هذا الاتفاق؟
السؤال الحقيقي هو: من سيسبق الآخر؟
هل يسبق حزب الله الدولة اللبنانية، فيتخذ القرار التاريخي بتسليم سلاحه للدولة، ويضع حداً لخمسين عاماً من المآسي التي أنهكت اللبنانيين جميعاً وأكثر من أنهكته البيئة الشيعية بالتحديد؟
أم يسبق تنفيذ الاتفاق، فيستمرّ بالسعي إلى تعطيله، ليعيد لبنان مرة جديدة ورقة تفاوض بيد إيران، رغم أن الوقائع الإقليمية تشير إلى أن طهران باتت تعطي الأولوية لمصالحها الاستراتيجية، وأن أي تفاهمات دولية مستقبلية قد لا تضع أذرعها الإقليمية في مقدمة حساباتها ؟
أم تسبق الدولة اللبنانية وتنفّذ قراراتها بحظر أعمال حزب الله العسكرية والأمنية وتقفل عليه طريق تعطيل الإتفاق بعد أن بدأ بإقفال الطرقات على اللبنانيين ضغطًا منه على الدولة بهدف إعادة لبنان ورقة بيد إيران.
ربما لم يعد يعني شريحة واسعة من اللبنانيين من ينتصر عسكرياً بين إسرائيل وحزب الله، لأنهم يدركون أن المواجهة تجاوزت منذ زمن حدود لبنان، وأصبحت جزءاً من الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة وإيران.
لكن ما يعني الغالبية الساحقة من اللبنانيين، بمختلف طوائفهم، بمن فيهم كثيرون داخل البيئة الشيعية، هو أن تنتصر الدولة اللبنانية في معركتها لاستعادة قرارها وسيادتها على كامل أراضيها.
لقد تعب اللبنانيون من الحروب التي لم يختاروها، ومن تحويل أبنائهم إلى وقود ودروع بشرية لصراعات الآخرين، مرة من أجل "القضية الفلسطينية" التي لم تتقدّم شعرة واحدة منذ استخدامها شمّاعة لكل مشروع توسّعي على حساب لبنان، ومرّة دفاعاً عن نظام الأسد، ومرة لتحسين شروط التفاوض الإيراني، وربما غدًا تحت عناوين لن تجلب للأجيال القادمة في لبنان سوى المزيد من الموت والتخلف والدمار.
بعد أكثر من خمسين عاماً، لم يعد السؤال: من يملك السلاح؟
السؤال أصبح: هل نريد دولة يعيش فيها جميع اللبنانيين... أم ساحة تعيش عليها مصالح الآخرين على حساب اللبنانيين؟! وهل سيرضى اللبنانيون بعد اليوم التعايش مع من يسابق دولتهم في حال سبقها من جديد؟ الأصوات التي عادت ترتفع من جديد والمطالِبة بتركيبة جديدة تحفظ التعددية وحق الجماعة بتحقيق مصيرها تؤكّد أنه طفح كوب اللبنانيين فإمّا يخسر السباق حزب الله وإما على هذا النظام....السلام.