العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

لبنان: صراع على المفاهيم قبل أن يكون صراعاً على النفوذ

4 دقائق للقراءة

إن أحد أهم الدروس التي نستخلصها من الحرب البيلوبونيسية هو أن الصراعات الكبرى لا تنشأ فقط نتيجة تضارب المصالح، بل أيضاً بسبب اختلاف التصورات التي تحملها الأطراف حول المفاهيم السياسية الأساسية. فقد بيّن ثوسيديدس أن أثينا وإسبرطة كانتا تسعيان كلتاهما إلى تحقيق "الأمن"، لكن كل واحدة منهما كانت تفهم هذا المفهوم بطريقة مختلفة جذرياً. فقد رأت أثينا أن أمنها يتحقق من خلال الحفاظ على إمبراطورية بحرية قوية، وتوسيع شبكة تحالفاتها، وإسقاط نفوذها خارج حدودها. أما إسبرطة فكانت ترى أن أمنها يقوم على الحفاظ على توازن القوى ومنع أي طرف من الهيمنة على الآخرين، معتبرةً أن التوسع بحد ذاته قد يصبح مصدر تهديد للاستقرار. لم يكن الخلاف إذاً في استخدام اللغة، بل في المعنى الذي يُعطى لمفهوم الأمن نفسه.

ومن هذا المنطلق، يمكن لهذا الإطار التحليلي أن يساعد في تفسير أحد الأبعاد الجوهرية للأزمة اللبنانية.

فمن جهة، ينظر محور حزب الله-حركة أمل-إيران إلى الدولة اللبنانية باعتبارها إطاراً يمنح الشرعية السياسية والغطاء القانوني، مع الإبقاء في الوقت نفسه على منظومة موازية من المؤسسات التي تعمل خارج السلطة الحصرية للدولة. ووفق هذا التصور، يتحقق الأمن من خلال الاحتفاظ بقدرة عسكرية مستقلة، إلى جانب مؤسسات اجتماعية وتربوية ومالية وإنمائية وقضائية موازية، مع الحفاظ على تأثير مباشر في القرار الوطني، ولا سيما في قضايا الحرب والسلم والسياسة الخارجية. ويرى أنصار هذا النهج أن هذه المؤسسات تشكل عناصر قوة وردع واستمرارية، وأن الدولة يمكن أن تتعايش مع هذه المنظومة باعتبارها جزءاً من مفهوم الأمن الوطني، لا نقيضاً له.

في المقابل، ينظر كثير من المسيحيين، ومعهم شريحة واسعة من اللبنانيين المؤمنين بقيام دولة سيدة، إلى الأمن من منظور مؤسساتي مختلف. فالأمن، في نظرهم، يقوم على دولة تحكمها سيادة القانون، ومؤسسات مستقرة وشفافة وخاضعة للمساءلة، وقضاء مستقل، وإدارة عامة فعالة، واحتكار الدولة وحدها لاستخدام القوة المشروعة. وتستمد الدولة قوتها من وحدة مؤسساتها الوطنية، لا من وجود مراكز قوة موازية لها.

وهكذا، يستخدم الطرفان الكلمات نفسها: الدولة، والأمن، والشرعية، والسيادة، والحوكمة، والعدالة، لكن كل طرف يمنح هذه المفاهيم معاني مختلفة. فبينما يرى أحدهما أن الدولة يمكن أن تتعايش مع مؤسسات مستقلة عنها باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن، يرى الآخر أن وجود مؤسسات تمتلك صلاحيات سيادية أو عسكرية خارج سلطة الدولة يتناقض أساساً مع مفهوم السيادة والأمن المستدام.

ومن هنا، يتضح أن الخلاف اللبناني ليس مجرد صراع على السلطة أو النفوذ، بل هو أيضاً صراع بين تصورين مختلفين لمعنى الدولة نفسها. ولهذا السبب، فإن محاولات الوصول إلى تعريف موحد لهذه المفاهيم أو بناء توافق كامل حولها اصطدمت مراراً بالواقع، لأن المشكلة لا تكمن في سوء التواصل، بل في اختلاف المرجعيات الفكرية والسياسية التي تحدد معنى الدولة. وما لم يُعترف بهذه الاختلافات المفاهيمية، سيبقى الحوار السياسي يدور حول الكلمات نفسها، فيما يقصد كل طرف شيئاً مختلفاً تماماً.

ومن هنا، نعتقد أن الفيدرالية تشكل حلاً لهذا النوع من الاختلافات العميقة. فالفيدرالية لا تنطلق من افتراض أن جميع المكونات اللبنانية ستتبنى المفهوم نفسه للدولة، بل توفر إطاراً دستورياً يسمح بإدارة هذا التعدد بدل السعي إلى إلغائه. فهي تتيح لكل مجتمع أن يدير جانباً كبيراً من شؤونه وفقاً لتاريخه وثقافته وأولوياته، مع بقائه جزءاً من دولة اتحادية واحدة.

وفي الحالة اللبنانية، يمكن للفيدرالية أن توفر لكل واحدة من المكونات الأربع مساحة دستورية لإدارة شؤونها المحلية، والتعليم، والثقافة، والسياسات الداخلية، بما ينسجم مع هويتها ورؤيتها الخاصة لمفاهيم الحوكمة والتنمية والتنظيم الاجتماعي.

وبذلك، لا تقوم الفيدرالية على افتراض أن الجميع يجب أن يفكروا بالطريقة نفسها، بل على الاعتراف بأن المجتمعات المختلفة قد تحمل رؤى سياسية وثقافية متباينة، وأن هذه الرؤى يمكن أن تتعايش بسلام عندما تُدار من خلال توزيع دستوري واضح للسلطات، بدلاً من الصراع المستمر للسيطرة على الدولة المركزية. فهي تستبدل معركة فرض مفهوم واحد للدولة على الجميع بنظام يسمح بتعدد الرؤى داخل دولة واحدة موحدة، سيدة، مستقرة، وقادرة على حماية جميع أبنائها.

نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ