ريتا عازار

هكذا أضعتُ ثروتي في سلة المهملات

6 دقائق للقراءة

سأعترف لكم بأمر: لو أنني لم أرمِ الرافيا على مدى سنوات، لكنت اليوم مصمّمة ثرية ومن الطراز الرفيع. الرافيا، تلك الخيوط ذات اللون "البيج" التي تشبه القش من بعيد، لكنها أكثر ليونة وطواعية وأناقة، يقولون في القاموس إنها تُستخرج من ليف نخلة تحمل اسمها. أما أنا، المنكوبة أعلاه، فكنت لسنوات، كلما تلقيت باقة زهور، أفرح بها، وأتأمل الورود أو أي نوع من الأزهار أتلقاه أو أبتاعه لتزيين البيت، وأشم رائحة الفريزيا، وأبحث عن أجمل مزهرية في المنزل، ثم أقطع رباط الرافيا الذي يلف الباقة، ومن دون أدنى تردد، أرميه مباشرة في سلّة المهملات.

بالنسبة إليّ، كانت الرافيا إضافة إلى الباقات لا أكثر، أشبه بالمتسلّلة إلى الباقة. أما أختي، فعندما كانت تضبطني بالجرم المشهود أرمي تلك الخيوط، كانت تطلق صرخة تليق بممثلة تراجيدية يونانية، وتؤنبني: "كيف يمكنك رمي هذا؟ أعطيني إياه!". كنت أنظر إليها كما ينظر المرء إلى شخص يعلن أنه يجمع قشور البطاطس. "لماذا؟". فتجيب: "للنباتات! لربط السيقان! لتوجيه الأغصان! لدعم الأزهار! لألف استخدام!".

في ذلك الوقت، ظننت أنها تبالغ. لكنني اليوم، بعد أن تنبهت إلى ما يُصنع من الرافيا، وبخاصة إلى أسعار المنتجات الباهظة، عليّ أن أعترف بأن أختي كانت صاحبة رؤية ثاقبة، أشبه بوارن بافيت في عالم البستنة. فصدّقوا أو لا تصدّقوا: هذا الشريط الصغير الذي كنت أتعامل معه بازدراء، له حياة مزدوجة ومميزة. فالرافيا ليست مجرّد شريط يُستخدم لربط باقة الزهور، بل هي أيضًا المادة التي تزيّن مجموعات الصيف، وواجهات المتاجر الأنيقة، ومجلات الموضة، وأكثر الشواطئ أناقة في العالم. وعندما ترون الأسعار، تشعرون فجأة برغبة في البحث في جميع صناديق القمامة التي تركتم فيها الرافيا على مرّ السنين.


انتقام رباط الباقة

تتمتع الرافيا بموهبة استثنائية، فهي تعرف كيف تبدو بسيطة بينما أصبحت رائجة للغاية. خذوا مثلا "قلادة الرافيا". قد تظنون أنها تُباع بسعر فنجان قهوة مثلجة، لكن لا. ففي صفحات الموضة التي وقعت بين يدي، تُباع "قلادة الرافيا" بنحو 11 دولارًا. أما الأقراط المصنوعة من حضرة الرافيا أيضًا، فتتراوح أسعارها بين 12 و22 دولارًا. عقد؟ نحو 25 دولارًا. سوار؟ ما يقارب 39 دولارًا. سأترك لكم متعة التأمّل في هذه المعلومات، ومتعة الشماتة بي.

تلك القطع الصغيرة من الخيوط التي كنت أتخلص منها بلا مبالاة بعد تلقي ثلاث وردات صفراء، أصبحت الآن موضة أضعها على معصمي بفخر يضاهي فخر الجوهرة الثمينة. أستطيع بسهولة تخيُّل الحوار بين خيط الرافيا وماسة: "كم تساوي ثروتك؟". "آلاف الدولارات". "آه، أما أنا فقد خرجت من باقة من زهور الأقحوان".


عالم القبعات والحقائب

الصيف والقبعات يجمعهما حب أبدي، لكن الرافيا قرّرت أن تكون نجمة هذه القصة. ستجدون في هذه التشكيلة "قبعة دلو" من الرافيا بسعر 25 دولارًا تقريبًا، و "عصابة رأس" بسعر 11 دولارًا، و "قبعة باناما" بسعر 22 دولارًا، وأخرى بسعر 83 دولارًا، وقبعة عريضة الحواف بسعر 38 دولارًا، وحتى قبعة عريضة الحواف رائعة بسعر يقارب 154 دولارًا. نعم، مئة وأربعة وخمسون دولارًا.

للحظة، فكّرت في سلّة المهملات المليئة بشرائط باقات الزهور التي تخلّصت منها بلا مبالاة على مر السنين، وسمعت صوت محفظتي تبكي بحزن. للرافيا سحر خاص. فما إن تتحوّل إلى قبعة، حتى يشعر المرء برغبة عارمة في المشي حافيًا على الرمال، وتناول خوخة شهية، وترداد عبارات مثل: "لن أتفقد بريدي الإلكتروني حتى أيلول".

لكن الإنجاز الحقيقي للرافيا هو الحقيبة. هناك، تدخلون عالمًا آخر، إذ يمكن للأنيقة أن تجد حقيبة صغيرة بنحو 120 دولارًا، وسلّة بـ105 دولارات، وحقيبة كتف بـ94 دولارًا، وحقيبة يد كبيرة بـ138 دولارًا، وبعض الموديلات تتجاوز 140 دولارًا بسهولة. لماذا؟ لأنّ "حقيبة الرافيا" تتمتع بقوة خارقة، تحوّل صاحبتها فورًا إلى "بطلة صيفية"، حتى لو كانت ذاهبة إلى الصيدلية فقط، وحتى لو كانت تحمل فاتورة كهرباء لا تملك قيمتها، وحتى لو كانت ذاهبة لشراء مصابيح كهربائية. مع حقيبة من الرافيا، يصبح كل شيء شاعريًّا. ربما لهذا السبب تُعد الرافيا جذابة للغاية. فهي تضفي خفة بصرية تشبه شعاع الشمس.


أختي على حق

إنها عبارة صعبة الكتابة، وأتمنى لو أنّ أختي لا تقرأها. لكنها كانت محقة. فعندما جمعت ربطات باقاتي، رأت ما رفضت أنا رؤيته: مادة مفيدة، وجميلة، وطبيعية، ومتعدّدة الاستخدامات بشكل مدهش. ربطت الدعامات، وثبتت السيقان، ورتبت النباتات المتسلقة. للرافيا شخصية فريدة، فهي لا تسعى أبدًا إلى إبهار أحد. لا تلمع، لا تتلألأ، ولا تتغطى بالبريق. ومع ذلك، تخطف الأنظار فورًا. تذكّرنا بالحدائق، والأسواق الصيفية، والبيوت البيضاء، والعطلات، والأمسيات الطويلة التي ننسى فيها الوقت.

بعض المواد يذكّرنا بالتكنولوجيا، وبعضها الآخر يذكّرنا بالفخامة. أما الرافيا، فتذكرنا بالسعادة البسيطة. عندما أنظر إلى هذه الزينة، وهذه الحقائب، وهذه القبعات، لا أتخيّل قاعة اجتماعات، بل أتخيل شرفة. أكاد أسمع صرير الزيز، وربّما صرير أسناني من الندم. أرى مفرش طاولة خفيفًا يرفرف في النسيم. أشمّ رائحة التين وواقي الشمس. ثم أشمّ أيضا "رائحة الندم"، وهي الرائحة التي تنبعث من شخص اكتشف متأخرًا أنه كان يرمي مواد خام لصناعة الإكسسوارات الفاخرة.

لا يزال الأمر الأكثر إثارة للسخرية هو فكرة أنّ كثيرًا من الأشياء المرغوبة تأتي من مادة لا يزال كثيرون يعتبرونها ثانوية. كم من الناس، وهم يفكّون باقة زهور، نظروا إلى الرافيا وفكّروا: "ما هذا؟". بينما في الوقت نفسه، كان مصمّمو الأزياء يحوّلونها إلى إكسسوارات تُباع بعشرات الدولارات، بل بأكثر من مئة دولار. إنها "سندريلا عالم النبات"، نعتقد أنها متواضعة، ثم تصل إلى الحفل، فيلتفت الجميع إليها. الآن، عندما أُهدى باقة زهور، سأنظر إلى الزهور بالتأكيد، لكنني سأغمز للرافيا غمزة الخبراء. نعم، أنا. اللاعبة السابقة التي كانت تجيد رمي الرافيا، سأقوم بلفّها بعناية. سأحتفظ بها. سأفكّر في أختي، وبالحقائب، والقبعات، والزينة... وكم سأفكّر في المصمّمين القادرين على تحويل الألياف الطبيعية إلى قطع فنية رائعة، وستحضر إلى ذهني أكوام الدولارات المخبّأة في بيوتهم تحت تلك الخيوط.

آه آه من الرافيا. في جوهرها، هي نجمة في إجازة، تسافر متخفيّة. وبينما أُعجب أنا بالزهور، تحضّر حضرتها، بكل إقدام، لمسيرتها التالية. تفخر بأنها نجمة الصيف، ونجمة الشاطئ، وبطلة البستنة، وسفيرة البهجة. أما أنا، فمنذ اكتشفت الحقيقة واستوعبتها، لم أعد أرمي الرافيا. لا حبًّا بالاستدامة، ولا تقديرًا للحرف اليدوية، بل خوفًا من أن أكتشف بعد خمس سنوات أنها تُباع بالغرامات مثل الذهب!