لم يعد "حزب الله" يدافع عن الخوف الشيعي؛ لقد صار يحتكره. وهذه هي أزمته الأعمق مع لبنان: ليست في السلاح كترسانة فقط، بل في تحويل السلاح إلى نظام سياسي كامل، يمنح الحزب حق تمثيل الطائفة، وضبط المجتمع، والتفاوض باسم الدولة، وتعليق اكتمالها كلما اقتربت من سؤال السيادة.
فالسلاح عند "حزب الله" ليس أداة عسكرية منفصلة عن البيئة التي يتحرك فيها. إنه معنى سياسي قبل أن يكون قوة نارية: حماية، وذاكرة، وقلق، وحق استثناء. ومن هنا تأتي قوته الفعلية. لا من الصاروخ وحده، بل من قدرته على جعل الصاروخ امتداداً لهوية جماعية، بحيث يصبح الاعتراض عليه اعتراضاً على الطائفة، والسؤال عن شرعيته طعناً بكرامتها، والمطالبة بالدولة تهديداً لأمنها.
هذه هي المعادلة التي بنى عليها الحزب فائض سلطته. لم يكتفِ بأن يكون حزباً شيعياً واسع التأثير، بل عمل على أن يصبح التعريف السياسي للشيعة أنفسهم: أمنهم، ذاكرتهم، خوفهم، تمثيلهم، وعداءهم وولاءهم. لذلك لا تكمن خطورته فقط في أنه يملك سلاحاً خارج الدولة، بل في أنه جعل هذا السلاح بوابة إلزامية لعبور الطائفة إلى السياسة والدولة والقرار.
إنكار البيئة الشيعية ل"حزب الله" سذاجة سياسية. لكن التسليم بأن هذه البيئة تمنحه وكالة أبدية عن الشيعة خطأ أخطر. بين الاعتراف بالتأييد والتسليم بالوصاية تقع المساحة السياسية التي يخشاها الحزب: جمهور يمنح قوة شعبية لا حقاً في احتكار الدولة، وتأييد يفتح باب التمثيل لا باب مصادرة القرار الوطني، وخوف مفهوم لا يبرر تحويله إلى سلطة فوق المؤسسات.
هنا تظهر عقدة "حزب الله" الحقيقية: احتكار تفسير الخوف. فالخوف الشيعي في لبنان ليس اختراعاً دعائياً. له تاريخ وتجارب وشعور طويل بالهامش. لكن الحزب لم يكتفِ بتمثيل هذا الخوف، بل حوّله إلى رأسمال سياسي دائم. صار الخوف سبباً لبقاء السلاح، والسلاح سبباً لتعليق الدولة، وتعليق الدولة سبباً لتجديد الخوف. هكذا نشأت الدائرة المغلقة: كلما ضعفت الدولة ثبتت حاجة الحزب، وكلما ثبتت حاجة الحزب مُنعت الدولة من أن تكتمل.
في هذه البنية، يتحول الشيعي اللبناني من مواطن في دولة إلى فرد مؤجَّل داخل معادلة حماية حزبية. أمنه يمر عبر الحزب، وصوته يذوب في سردية الجماعة المحاصرة، ومصلحته تُربط بمصير محور إقليمي. حتى التأييد نفسه لا يبقى موقفاً سياسياً عادياً، بل يتحول إلى وظيفة داخل منظومة تعبئة مستمرة: جمهور عند الحاجة إلى الشرعية، بيئة عند الحاجة إلى الحماية، طائفة عند الحاجة إلى الحصانة، ومجتمع متضرر عند الحاجة إلى استثمار الكلفة.
وتدخل إيران هنا لا كعامل خارجي طارئ، بل كجزء من بنية الوكالة نفسها. فهي لا تصنع الخوف الشيعي اللبناني من العدم، لكنها تستثمره. ولا تتعامل مع لبنان كوطن نهائي لأهله، بل كموقع متقدم في هندسة نفوذها. في هذا الحساب، يصبح "حزب الله" أصلاً استراتيجياً لا حزباً لبنانياً طبيعياً، والجنوب خط ردع لا مجرد منطقة لبنانية، والبيئة الشيعية عمقاً اجتماعياً لوظيفة إقليمية. بذلك يتحول الخوف المحلي إلى مادة في مشروع خارجي، وتتحول الحماية إلى استخدام.
هذا ما يجعل أزمة "حزب الله" بنيوية لا ظرفية. فهو يحتاج إلى دولة موجودة بقدر ما تمنحه غطاءً، وغائبة بقدر ما تعجز عن محاسبته. يحتاج إلى جيش لا يحتكر الدفاع، وحكومة لا تحتكر القرار، ورئاسة لا تفرض السيادة، وبرلمان لا يصل إلى السؤال النهائي: من يملك القرار الأعلى في لبنان؟ لذلك لا يريد الحزب انهيار الدولة الكامل، لأن الغطاء يسقط معها، ولا يريد قيامها الكامل، لأن الوكالة تنتهي عندها.
الدولة الفعلية هي النقيض المباشر لهذه المعادلة. ليست شعاراً قانونياً عن حصرية السلاح فقط، بل استعادة للمعنى السياسي للمواطنة. دولة تجعل الشيعي مواطناً لا تابعاً لحماية حزبية، وتجعل الجنوب أرضاً لبنانية لا صندوق رسائل، وتجعل الجيش ضمانة لا ديكوراً، وتجعل القرار الوطني صادراً من المؤسسات لا من توازنات المحور. بهذا المعنى، قيام الدولة لا ينزع من "حزب الله" سلاحه العسكري فقط، بل ينزع منه وظيفته الأعمق: احتكار الخوف.
لذلك، لا تُختصر المعركة على حصرية السلاح بإجراءات أمنية أو تفاهمات حدودية. جوهرها إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. ما دام الخوف يحتاج إلى حزب كي يصبح سياسة، ستبقى الدولة ناقصة. وما دام السلاح قادراً على التحدث باسم جماعة كاملة، ستبقى المواطنة مؤجلة. وما دام الحزب يحتكر معنى الحماية، ستبقى الدولة متهمة بالعجز قبل أن تُمنح فرصة أن تكون دولة.
المواجهة الحقيقية ليست بين طائفة وطائفة، ولا بين ذاكرة وذاكرة، بل بين نموذجين للشرعية. نموذج يعتبر الخوف مصدراً دائماً للتفويض، ونموذج يعتبر الدولة وحدها الإطار القادر على تحويل الخوف إلى ضمانات. الأول يحتاج إلى الخطر كي يستمر، والثاني يحتاج إلى المؤسسات كي يطمئن. الأول يدير القلق ويعيش منه، والثاني يفترض أن ينهي الحاجة إلى من يحتكره.
من هنا تتضح الخلاصة. "حزب الله" لم ينته داخل بيئته، وهذه قراءة رغبوية لا قيمة سياسية لها. لكنه لم يعد قادراً على طلب التفويض نفسه بلا كلفة أخلاقية وسياسية. التحول الأهم ليس في سقوط جمهوره، بل في انتقال النقاش من ماضي المقاومة إلى ثمن استمرارها فوق الدولة. فشرعية التضحيات لا تعطي أحداً حقاً مفتوحاً في مصادرة المستقبل، وذاكرة الخوف لا تمنح حزباً حق تحويل لبنان إلى دولة معلّقة.
فالتأييد ليس دستوراً، والخوف ليس وكالة، والسلاح ليس وطناً. ومن يحوّل طائفته إلى درع، ولبنان إلى ورقة، والدولة إلى غطاء، لا يحمي جماعته؛ بل يمنعها من امتلاك الدولة التي تحتاجها.