قبل أسابيع أعلنت الكنيسة المارونية في الديمان تطويب البطريرك إلياس الحويك، واحتفت بالرجل الذي لم يكتفِ بالصلاة من أجل لبنان بل حمل فكرته إلى العالم وانتزع للبنان مكاناً على الخريطة. كان المشهد جميلاً ومؤثراً، لكن سؤالاً مؤلماً بقي خارج المذبح، فماذا يفعل ورثة الحويك اليوم بأمانته؟
لبنان لا يمر بأزمة عابرة، بل بمرحلة ستحدد شكل الدولة وهويتها لعقود. سيادته منقوصة ومجتمعه يتفكك وشبابه يهاجرون، فيما لا تملك الدولة وحدها قرار الحرب والسلم. كان يفترض بالكنيسة المارونية أن تكون حارسة للجمهورية ومرجعية وطنية وأخلاقية، لكنها تركت المبادرة للآخرين.
الصلاة ضرورية والرجاء ضروري، لكن الصلاة حين تحل مكان القرار تتحول إلى عذر مقدس للعجز. الله لم يمنح الإنسان عقلاً كي يعطله وينتظر معجزة، بل منحه القدرة على الاختيار والعمل لأن الإيمان لا يعفيه من المسؤولية. نحن أبناء الخالق، وكان علينا أن نتعلم أن المستقبل يُبنى ولا يُستجدى.
وقد لا يكون صمت بعض رجال الدين بريئاً، فمن يخشى انكشاف خطأ أو فتح ملف ضده قد يصبح رهينة للصمت ويفقد حرية موقفه وقدرته على الاعتراض والقيادة. وهكذا تصبح الكنيسة أسيرة أخطاء لا يعرفها المؤمنون ويدفع لبنان ثمنها.
والمصيبة ليست مارونية وحدها، فالخلل يمتد إلى معظم الطوائف، لكن المسؤوليات ليست متساوية. وتتحمل الكنيسة المارونية مسؤولية تاريخية، خاصة تجاه الكيان الذي ساهمت في تأسيسه. وعندما لاح احتمال تغيير يأتي من الفاتيكان تحركت غريزة البقاء قبل روح الرسالة، وبدا رؤساء الكنائس كأن لسان حالهم يقول
"All for one and one for all"
لكنهم لم يتّحِدوا دفاعاً عن الرسالة أو خير الكنيسة بل لحماية مواقعهم ومقاومة أي تغيير قد يطاول أحدهم ولو كان في مصلحة الكنيسة والمؤمنين، تماماً كما تتضامن الطبقة السياسية حين يهتز أحد كراسيها.
وعلى مر التاريخ لم تكن الكنيسة أقوى من حكام الشرق ولا أغنى منهم، لكنها حملت فكرة مختلفة ووقفت في وجه الاستبداد حين كان الوقوف مكلفاً. دافعت عن الإنسان الحر والمجتمع التعددي وحق الناس في الرأي والكلام، وآمنت بأن كرامة الإنسان هبة من الله فلا يحق لأحد أن يدوسها.
وفي تاريخ القسطنطينية درس لا يحب أصحاب الكراسي أن يتذكروه، فقد تنازعت الكنيسة والنخب على النفوذ فيما كان الخطر يقترب من الأسوار. ومن يظن أن تاريخ بكركي يكفي وحده لصون دورها فليتذكر أن القسطنطينية التي احتضنت آيا صوفيا يوم كانت من أعظم صروح المسيحية وأكثرها هيبة لم تبدأ هزيمتها يوم سقطت أسوارها، بل يوم انشغل حراسها بكراسيهم وتركوا الخطر يكبر عند أبوابها.
أما اليوم فقد استسلم بعض الذين حذرونا من الشيطان لأشد إغراءاته، فتحول الكرسي إلى امتياز والمال إلى حصانة والنفوذ إلى فضيلة. وعندما يتذوق الواعظ ثمار الخطايا السبع يصعب عليه أن يعود خادماً، وقد يتحول الخوف على المسيحيين إلى ذريعة لحماية المواقع وعرقلة أي إصلاح يأتي من روما أو من داخل الكنيسة.
يبدأ الخلل في غرف الاختيار حين تُكافأ الطاعة بدلاً من الكفاءة، ويُفضَّل من يسهل التحكم به على من يملك الشجاعة والقدرة على الإصلاح. لذلك تحتاج الكنيسة إلى بولس جديد يجمع بين عمق الإيمان وعقل المؤسس وخبرة المدير. فبولس الرسول الذي أسهم في بلورة الفكر المسيحي حول النعمة والإيمان والخلاص لم يكتف بالتعليم، بل بنى جماعات وربط بينها وحمل الرسالة عبر الحدود. واليوم بات واضحاً لكثيرين من المسيحيين والمسلمين في الداخل والخارج أن دور البطريركية المارونية ما زال أساسياً في حماية لبنان، وأن الكنيسة تحتاج إلى صاحب خبرة وسجل ناجح في إصلاح المؤسسات وإدارة المال واختيار الكفاءات، لا إلى ابن المحسوبيات أو مرشح الحسابات السياسية الضيقة.
لبنان أولاً والمواطن أولاً، ثم تأتي المصالح والولاءات إن بقي لها مكان.
هذه ليست دعوة إلى إضعاف الكنيسة، بل إلى إنقاذها ممن يجعلونها أصغر من رسالتها. فالكنيسة ليست قصراً ولا وقفاً ولا رتبة، بل رسالة وشعب وشهادة. وإذا فقدت شجاعتها تحولت إلى متحف للطقوس، وإذا فقدت تواضعها تحولت إلى حزب بثياب دينية، وإذا فقدت لبنان فقدت أحد أهم أسباب وجودها في هذا الشرق.
في أيلول ٢٠٠٠ لم يكتفِ البطريرك نصرالله بطرس صفير بالصلاة من أجل السيادة، بل أطلق مع المطارنة نداءً سمّى المشكلة باسمها وطالب بانسحاب الجيش السوري تطبيقاً للطائف. لم يكن يملك جيشاً أو سلطة تنفيذية، لكنه امتلك الوضوح والشجاعة وحوّل موقفه إلى مسار وطني. واليوم سمعنا من بكركي رفض الحرب والمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، لكننا لم نر حتى الآن نداءً واضحاً أو مبادرة تجمع اللبنانيين لاستعادة قرار الحرب والسلم ودعم الجيش. الفرق ليس بين من يصلي ومن لا يصلي، بل بين من يصلي ثم يتحرك ومن يجعل الصلاة نهاية دوره.
إما أن تعود الكنيسة إلى لبنان الذي صنعته شجاعة أسلافها، وإما أن تكتفي بحراسة كراسيها فيما لبنان يتآكل أمامها. وإذا عجزت القيادات الروحية عن حماية المعنى فسيحميه الناس، وإذا ضاعت الكنيسة في دهاليز السلطة فلن يسمح اللبنانيون لها بأن تضيّع الوطن معها.
لبنان ليس ملكاً لبطريرك ولا لمطران ولا لشيخ ولا لزعيم، بل أمانة يحملها شعبه، ومن يتخلى عن الأمانة يفقد حقه في القيادة مهما علت رتبته وعلا منبره وطال ثوبه وكثرت صلواته.