فيليب عادل حنين

حين تصبح الهزيمة مشروعاً سياسياً

5 دقائق للقراءة

ليس أخطر ما يواجه لبنان اليوم ما تبقى من ترسانة "حزب الله"، بل ما تبقى من روايته. فالسلاح يمكن مصادرته، أما الوهم فيعيش طويلاً إذا لم تكسره الدولة بالحقيقة والقانون.

الحرب قائمة في العقول أصلاً، ولا تنتظر انتقالاً من الميدان إليها. وكلّ خطاب يحاول أن يبيع الناس رواية مزوّرة عمّا يرونه بأعينهم، ويجعل الإنكار اليومي وسيلة لإبقائهم أسرى الخوف والحاجة.

لذلك لم يعد السؤال كم بقي لدى "حزب الله" من الصواريخ. المسألة الأساسية أن الحزب يحاول الحفاظ على ما هو أخطر من الصواريخ، قدرته على إبقاء جمهوره داخل رواية خاسرة، عاجزاً عن الاعتراف بأن المشروع الذي قيل له إنه يحميه هو نفسه الذي استنزفه وعزله وتركه يفتش عن الحد الأدنى من الأمان والكرامة.

ولعل أكثر ما يكشف هذا الانحدار هو ذلك الخطاب التائه الصادر عن قيادة فقدت البوصلة، ولم يبق لها سوى وظيفة واحدة، وهي منع الناس من رؤية ما أصبح واضحاً للجميع. لم تعد هذه القيادة تشرح واقعاً، بل تقمع الاعتراف به. ولم تعد تقود مشروعاً، بل تدير بقايا مشروع مهزوم، وتطلب من بيئته أن تصدق أن الركام دليل قوة.

والأقسى أن هذه البيئة تُعامل كجمهور مكسور لا كمجتمع حر، يُدفع إلى الخوف والطاعة لقاء فتات من المال والحماية، ثم يُستدعى عند الحاجة لمهمة جديدة تخدم قراراً آتياً من طهران. هذه ليست مقاومة، بل ابتزاز بالحاجة واستخدام لما تبقى من حياة الناس في خدمة أوهام لم تشبع بعد من الدم اللبناني.

بعد الإطار الذي وُقّع برعاية أميركية، خرجت الأصوات نفسها لتتحدث عن السيادة والكرامة والعدو الخارجي. في المبدأ، لا أحد يطلب من اللبنانيين أن يتخلوا عن حذرهم من أي قوة خارجية. لكن السؤال الحقيقي أبسط وأكثر وجعاً. من دمّر القرى؟ من عطّل الدولة؟ من صادر قرار الحرب والسلم؟ من جعل الجنوب رهينة دائمة؟ من حوّل الفساد والواسطة والسلاح إلى نظام حياة؟ ومن جعل اللبنانيين يدفعون ثمن مغامرات لم يختاروها؟

والأخطر أن بعض الذين أوصلوا لبنان إلى هذا الانحدار، بعد عقود من التبعية لسوريا ولو على حساب مصلحة لبنان، وبعد سنوات طويلة من الارتهان للمحور الإيراني، يريدون اليوم بيع اللبنانيين وهماً جديداً. ها هم يبحثون عن وصاية بديلة، تركية كانت أم غيرها، كأن المشكلة لم تكن يوماً في الارتهان نفسه، بل في اسم الراعي فقط. يرفضون بناء دولة، لكنهم لا يمانعون تبديل الوكيل الخارجي. يرفعون شعار السيادة عندما يهدد مصالحهم، ثم يهرولون إلى أي قوة إقليمية تمنحهم دوراً جديداً في نظام الفوضى الذي عاشوا منه لعقود.

كان الأجدر بهم أن يشكروا الدولة، ورئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، لأن هناك من يحاول أخيراً وقف هذا الجنون. لا لأن الاتفاق كامل، ولا لأن الخارج بريء من الحسابات، بل لأن استمرار المسرحية القديمة لم يعد خياراً. لقد آن الأوان أن تنتهي عملية تحويل اللبنانيين إلى ضحايا دائمين، وخصوصاً أهل الجنوب الذين حُمّلوا طويلاً كلفة روايات لم تحمِ بيوتهم، ولم تحفظ أرزاقهم، ولم تصن حياة أبنائهم.

المشكلة لم تعد في بقايا القوة العسكرية وحدها، بل في النية الواضحة لتحويل الهزيمة إلى مشروع سياسي جديد. مشروع يريد أن يرفض الاتفاق، ثم يعرقله، ثم يقدّم عرقلته كإنجاز. يريد أن يخسر في الميدان، ثم يربح الوقت في السياسة. والوقت هو رأس المال الوحيد الذي يحتاجه المشروع المهزوم كي يحاول العودة.

لذلك على الدولة أن تتصرف الآن بحذر وحزم. لا يكفي أن تعلن موقفاً عاماً من السلاح. عليها أن تمنع تحويل المرحلة المقبلة إلى بازار سياسي، فكل استثناء سيصبح ذريعة، وكل غموض سيصبح منفذاً، وكل امتياز سيُباع لجمهور الحزب على أنه انتصار جديد.

لا إذلال هنا ولا انتقام. فالدولة لا تثأر، بل تحكم. ولا تنتقم، بل تطبّق القانون. لكن القانون الذي يقبل بالاستثناء يتحول إلى رأي، والدستور الذي يترك منفذاً لسلطة موازية يتحول إلى ورق. لذلك لا تُحمى الدولة بالخطابات، بل بإغلاق كل باب يسمح بسلاح موازٍ، أو قرار أمني موازٍ، أو نفوذ سياسي يعيش خارج قاعدة المساواة بين اللبنانيين.

هؤلاء هم أعداء فكرة الدولة. ليسوا على الحدود فقط. بعضهم بيننا، في السياسة، وفي الإدارة، وفي منظومة مصالح عاشت طويلاً على الفوضى والواسطة والفساد وتعطيل الدولة واستنزاف الناس. لم يكونوا يوماً حماة السيادة، بل حماة النظام الذي منحهم النفوذ والمال والحصانة. لذلك ليس غريباً أن يرفضوا أي مسار يعيد القرار إلى الدولة، فالدولة بالنسبة إليهم ليست وطناً يُبنى، بل خطراً على نظام انتفعوا منه طويلاً.

ولعل الشيعة أنفسهم هم أكثر من دفع ثمن هذا المشروع. من حقهم أن يتحرروا من التعبئة الدائمة، وأن يعودوا إلى الدولة كمواطنين كاملين، لا كوقود دائم لمشروع يتجاوز لبنان ويستخدمه.

لقد أصدر التاريخ حكمه بالفعل. والآن على الدولة أن تختار بين أن تكتب الفصل القادم بيدها، أو أن تتركه لمن كتبوا المأساة بدم اللبنانيين.

فالخطر ليس أن ينجو المشروع من الهزيمة.

الخطر أن تنجو الهزيمة نفسها، وأن تعود لتحكم لبنان باسم الانتصار.