مقدمة
ليس الهدف من هذه الصفحات أن تقدم للقارئ أحكاماً جديدة، بل أن تدعوه إلى تأجيل أحكامه القديمة؛ فنحن لا نزعم امتلاك الحقيقة، ولا ندّعي أننا هنا لنعلم أحداً، بل نحاول أن نتعلّم معاً، وأن نقترب من الحقيقة، سؤالاً بعد سؤال، وفهماً بعد فهم.
في رحلتنا السابقة من سلسلة "نحو الإنسانية"، حاولنا أن نقترب من الإنسان نفسه؛ من قيمه وأخلاقه، حريته وعدالته، مسؤوليته وحواره، ومن المبادئ التي نؤمن أنها تسهم في بناء إنسان أكثر وعياً وإنسانية.
لكن الإنسان لا يعيش داخل ذاته إلى الأبد. فما إن يلتقي بالآخر، حتى تبدأ العلاقات، ويبدأ المجتمع، وتبدأ معه مرحلة جديدة من هذه السلسلة.
فإذا كانت المقالات السابقة قد انشغلت ببناء الإنسان، فإننا، ابتداءً من هذا المقال، سنحاول أن نفكر معاً في المبادئ التي يقوم عليها بناء المجتمع؛ لأن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، ولا بالمؤسسات وحدها، بل بالطريقة التي يرى بها الناس بعضهم بعضاً، ويتعاملون بها مع اختلافهم، ويصونون بها إنسانية بعضهم البعض.
ولعل أول هذه المبادئ جميعاً، أن نتعلّم أن نقرأ الإنسان، قبل أن نحكم عليه.
الحكم، أسهل من المعرفة
من أسهل ما يفعله الإنسان أن يُكوّن فكرة ويتصلّب بها، ومن أصعب ما يفعله أن يملك الشجاعة لمراجعتها؛ فنحن لا نحتاج إلى أكثر من لحظات قليلة لنقرر أن هذا إنسان متكبر، أو ذاك جاهل، أو آخر أناني، أو غيره غير جدير بالثقة؛ ولا ننتبه، في معظم الأحيان، إلى أن هذه الأحكام لم تُبنَ على معرفة، بل على انطباع؛ ولم تُولد من فهم، بل من استنتاج سريع؛ ولعل أخطر الأحكام ليست تلك التي ننطق بها، بل تلك التي تتشكل بصمت في داخلنا، ثم تتحول، مع مرور الوقت، إلى حقائق لا نشك فيها.
فكم من إنسان لم نمنحه فرصة لأنه لم يترك فينا الانطباع الذي توقعناه؛ وكم من فكرة رفضناها قبل أن نفهمها؛ وكم من علاقة انتهت قبل أن تبدأ، لأن حكماً صامتاً سبق المعرفة.
إن المشكلة ليست في أن الإنسان يصدر أحكاماً، فالعقل البشري بطبيعته يسعى إلى تفسير ما يراه، وترتيب العالم من حوله، واختصار تعقيداته؛ لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانطباع إلى يقين، والاحتمال إلى حقيقة، والجزء إلى صورة كاملة؛ وهنا، لا يعود الإنسان يرى الآخرين كما هم، بل كما رسمهم في ذهنه.
وليس من المبالغة القول إن كثيراً من الظلم الذي عرفه البشر لم يبدأ من سوء نية، بل من فهم ناقص ظن صاحبه أنه فهم كامل.
هنا تبدأ رحلتنا في هذا المقال؛ ليست رحلة لإلغاء الأحكام، بل رحلة لنتعلّم كيف نؤجلها، حتى نعطي الحقيقة فرصة أن تتكلم.
العقل، لا يحب الفراغ
ليس العقل البشري آلةً لتخزين المعلومات فحسب، بل هو آلةٌ لصناعة المعنى؛ إنه لا يحتمل الفراغ، ولا يرتاح إلى الأسئلة المفتوحة؛ ولهذا، يسارع دائماً إلى إكمال الصورة، حتى عندما تكون بعض أجزائها مفقودة.
يكفي أن نرى وجهاً عابساً، فنقول: "إنه متكبر" ويكفي أن يتأخر أحدهم عن موعد، فنفترض أنه لا يحترم الوقت؛ ويكفي أن يختلف معنا إنسان في الرأي، فنبدأ بالبحث عن تفسير، لا عن حقيقة.
هكذا، ومن دون أن نشعر، تتحول الاحتمالات إلى يقين، والانطباعات إلى حقائق، والجزء إلى كل.
ولعل المشكلة لا تكمن في أن عقولنا تبحث عن التفسير، فذلك جزء من طبيعتها، وإنما في أنها كثيراً ما تخلط بين التفسير الذي يحتمل الخطأ والحقيقة.
وقد أدرك سقراط هذه المعضلة منذ أكثر من ألفي عام، حين جعل الاعتراف بحدود المعرفة بداية الحكمة، ولذلك نُسبت إليه عبارته الشهيرة: "كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئاً."
لم يكن يمجّد الجهل، بل كان يحذّر من أخطر أنواعه، الجهل الذي يظن نفسه معرفة.
ولعلنا لهذا السبب نخطئ في حق كثير من الناس، لا لأننا أردنا ظلمهم، بل لأن عقولنا استعجلت ملء الفراغ، قبل أن تمنح الحقيقة الوقت الكافي لتتكشف؛ وهنا يصبح التواضع الفكري، أول أبواب العدالة.
نحن لا نرى الواقع، بل تفسيرنا له
لو سألنا أنفسنا: لماذا نقع في الأحكام المسبقة؟ قد تكون الإجابة الأولى: لأننا لا نعرف الحقيقة.
فنحن، في كثير من الأحيان، لا نحكم على الناس بما نعرفه عنهم، بل بما نظنه عنهم.
إن الإنسان لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل كما يراه هو؛ وما يراه لا يتكوّن فقط مما يقع أمام عينيه، بل أيضاً مما يحمله في داخله؛ من تجارب، وذكريات، ومخاوف، وقناعات، وثقافة، وأحياناً من جراح لم تلتئم بعد وطبعاُ من مقارنات يرتكز عليها. لذلك قد يرى شخصان الموقف نفسه، ويخرجان بحكمين متناقضين تماماً؛ ليس لأن الحقيقة تغيّرت، بل لأن زاوية النظر اختلفت.
ولهذا، فإن أول خطوة نحو الفهم ليست أن ننظر إلى الآخر، بل أن ننظر إلى أنفسنا؛ أن نسأل: هل ما أراه حقيقة؟ أم أنه مجرد تفسير اخترته من بين عشرات التفسيرات الممكنة؟ ولعل أكثر ما يحتاجه عالمنا اليوم ليس مزيداً من الأحكام، بل مزيداً من الفضول الإيجابي؛ فضول يدفعنا إلى أن نسأل، قبل أن نفسر؛ وأن نستمع، قبل أن نستنتج؛ وأن نقرأ الإنسان، قبل أن نحكم عليه.
المشهد، حين يُحاكم الإنسان بغيره
ربما لا يوجد ما يفعله العقل بصمت أكثر من المقارنة؛ فنحن لا نستقبل الإنسان الذي يقف أمامنا كما هو، بل نبحث، من دون أن نشعر، عن شخص يشبهه في ذاكرتنا؛ وجهٌ يذكرنا بآخر؛ نبرةُ صوتٍ تشبه نبرةً سمعناها من قبل؛ طريقةُ كلام، أو لباس، أو حتى اسم، يعيد إلى أذهاننا تجربةً قديمة.
وفجأة، يبدأ العقل بالقياس، "هذا يشبه فلاناً،"إذن، لا بد أنه مثله؛ وكأن التشابه أصبح دليلاً، لا مجرد احتمال.
لكن العقل لا يكتفي باستحضار الماضي، بل يذهب أحياناً أبعد من ذلك؛ فهو لا يقارن الإنسان بغيره فحسب، بل يعيد تشكيله بما يناسب الصور التي يحملها في داخله؛ فنحن، في كثير من الأحيان، لا نرى الآخر كما هو، بل كما رأينا شخصاً قبله؛ أو كما نريده أن يكون؛ أو كما نخاف أن يكون؛ ولهذا، قد يقوم شخصان بالفعل نفسه، فنَصف أحدهما بالحكمة، ونَصِف الآخر بالمكر؛ وقد يقول اثنان الكلام نفسه، فنعتبر الأول صريحاً، والثاني وقحاً؛ ليس لأن الفعل تغيّر، بل لأن الصورة التي سبقته كانت مختلفة.
وهكذا، تصبح الحقيقة ضحية ذاكرتنا، وضحية توقعاتنا في آنٍ معاً؛ فنحن لا نكتفي بقراءة الإنسان، بل نقرأه من كتاب شخصٍ آخر؛ ثم لا نكتفي بذلك، بل نكتب له دوراً في مسرحية من تأليفنا، ونرسم له ملامحه، ونحدّد كلماته، ثم نستغرب، بل ونغضب، عندما يرفض أن يؤدي الشخصية التي اخترناها له.
وقد يكون هذا من أكثر أشكال الظلم خفاءً؛ لأننا لا نمنح الإنسان فرصة ليعرّفنا بنفسه، بل نُلبسه ملامح شخص آخر، أو نحشره داخل صورة صنعناها نحن، ثم نحاسبه عليها.
والحقيقة أن كل إنسان يولد للمرة الأولى، وللمرة الوحيدة؛ ولا أحد يشبه أحداً إلى الحد الذي يسمح لنا أن نحكم عليه من خلال غيره.
ولعل أول خطوة نحو الفهم، أن ندرك أن التشابه ليس هوية، وأن الذاكرة ليست دليلاً، وأن توقعاتنا ليست حقيقة، وأن الإنسان الذي أمامنا يستحق أن يُقرأ بوصفه قصةً جديدة، لا نسخةً من قصةٍ قديمة، ولا شخصيةً في مسرحية كتبها غيره.
حين تصبح القناعة سجناً
لا تكمن خطورة الأحكام المسبقة في أنها قد تكون خاطئة فحسب، بل في أنها تمنعنا من اكتشاف الحقيقة؛ فالإنسان، عندما يقتنع بفكرة، يبدأ من حيث لا يشعر بالبحث عمّا يؤكدها، لا عمّا يختبرها؛ إذا اقتنع أن شخصاً ما متكبر، فسيفسر صمته تكبراً؛ وانشغاله تكبراً؛ وحتى حياءه، قد يراه تكبراً. وإذا اقتنع أن آخر لا يستحق الثقة، فسيرى في كل تصرف دليلاً جديداً على شكه،
بينما يتجاهل كل ما يناقض ذلك.
وهكذا، لا يعود الحكم نتيجةً للأدلة، بل تصبح الأدلة خادمةً للحكم؛ وهذه واحدة من أكثر خدع العقل هدوءاً؛ فهو يقنعنا أننا نبحث عن الحقيقة، بينما نحن، في الواقع، نبحث عمّا يطمئن أحكامنا السابقة.
وقد حذّر الفيلسوف كارل بوبر (Karl Popper) من هذا الميل، حين دعا الإنسان إلى البحث عمّا قد يُخطئ أفكاره، لا عمّا يؤكدها؛ لأن الحقيقة لا تخاف من الاختبار، أما الوهم فهو الذي يخشاه.
ولهذا، يصعب على الإنسان أن يعترف بخطئه؛ لا لأن الحقيقة غير واضحة، بل لأن الاعتراف يعني هدم الصورة التي بناها في ذهنه، والبدء من جديد.
ولعل الشجاعة الفكرية لا تكمن في الدفاع عن آرائنا حتى النهاية، بل في امتلاك الجرأة على مراجعتها، كلما ظهرت لنا معطيات جديدة؛ فالإنسان لا يكبر عندما تثبت آراؤه دائماً، بل عندما يستطيع أن يغيّرها، إذا اكتشف أنها كانت ناقصة.
الفهم، موقف أخلاقي
وهنا، لا تصبح قراءة الإنسان مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل تصبح امتحاناً لأخلاقنا نحن؛ فكلما استعجلنا الحكم، قلّلنا من قيمة الإنسان، وكلما منحناه فرصة ليكشف عن نفسه، اقتربنا أكثر من الحقيقة.
فنحن، حين نؤجل أحكامنا، لا نحمي الآخر فقط، بل نحمي أنفسنا من أن نصبح أسرى الصور التي رسمناها في أذهاننا.
ولذلك رأى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت (Immanuel Kant) أن الإنسان يجب ألا يُعامل أبداً كوسيلة، بل كغاية في ذاته. وربما تبدأ هذه الغاية من أبسط الأفعال وأكثرها إنسانية: أن نصغي، قبل أن نفسّر، وأن نفهم، قبل أن نحكم.
فالفهم ليس ضعفاً، ولا تردداً، ولا مساومة على المبادئ؛ بل هو شجاعة أخلاقية، واحترام للحقيقة، وإيمان بأن الإنسان يستحق أن يُعرَف، قبل أن يُحكَم عليه، وهذا موقف أخلاقي قبل كل شيء.
يسوع، حين سبق الفهمُ الحكم
ولعل ما يميّز يسوع، أنه لم يكن يرى الإنسان كما رآه الناس؛ فحين رأى الآخرون زانية، رأى إنسانة قبل أن يرى خطيئتها، وحين رأوا عشاراً، رأى قلباً يبحث عن الخلاص، وحين رأوا سامرية، رأى إنسانة عطشى إلى الحقيقة.
لم يكن ينكر أخطاء الناس، لكنه كان يرفض أن يختزل الإنسان بخطيئته، أو بماضيه، أو بانتمائه، أو أن يسمح للحظةٍ واحدة أن تصبح تعريفاً لحياةٍ كاملة؛ ولذلك قال: "لا تنظروا إلى الظاهر، بل احكموا حكماً عادلاً" (يوحنا 7:24)
وكأن العدالة، في نظره، لا تبدأ من إصدار الحكم، بل من قراءة الإنسان.
فالإنسان لا يُعرف من مظهره، ولا من سمعته، ولا من ماضيه، بل من الحقيقة الكاملة التي لا نرى منها، في أغلب الأحيان، إلا جزءاً صغيراً؛ ولهذا، لم تكن كلماته دعوةً إلى تعطيل العقل، ولا إلى تبرير الخطأ، بل دعوةً إلى التواضع أمام الإنسان؛ لأننا لا نعرف من قصته إلا ما سمح لنا الزمن أن نراه.
لقد علّمنا أن المظهر ليس الحقيقة، وأن الماضي ليس الهوية، وأن الانتماء ليس الإنسان،
وأن الإنسان أكبر من لحظة سقوطه، وأعمق من الصورة التي يرسمها الآخرون عنه.
وربما لهذا السبب، لم يكن يسوع يغيّر الناس لأنه كان يدينهم، بل لأنه كان يقرأ قلوبهم، ويفهم إنسانيتهم، كما لم يفعل أحدٌ قبلَه.
التواضع، بداية الفهم
لكن، هل يستطيع الإنسان أن يتوقف عن إصدار الأحكام؟ غالباً لا.
فالأمر ليس قراراً نتخذه، بل جزء من طبيعة العقل البشري. نحن نُقيّم، ونُقارن، ونُفسّر، ونستنتج، منذ اللحظة الأولى التي نفتح فيها أعيننا على العالم؛ وتؤكد دراسات علم النفس المعرفي الحديثة، ولا سيما أعمال دانيال كانيمان (Daniel Kahneman)، أن العقل يميل إلى إصدار أحكام سريعة اعتماداً على الانطباعات الأولى، لأنها أقل كلفة من التفكير المتأني.
لكن ما يوفره العقل من جهد، قد يكلف الإنسان كثيراً من العدالة؛ لذلك، فإن المشكلة ليست في وجود الأحكام، بل في السرعة التي نمنحها فيها صفة الحقيقة.
إن الفرق بين العقل المنغلق والعقل المتواضع، ليس أن أحدهما يحكم والآخر لا يحكم، بل أن العقل المتواضع لا يخلط بين ما يراه وبين الحقيقة؛ لذلك يترك دائماً مساحةً لاحتمال أن يكون مخطئاً، ومساحةً أكبر لاحتمال أن يتعلّم؛ إنه يضع بينه وبين قناعته، مسافة صغيرة، اسمها التواضع.
فقد يكون ما رأيته صحيحاً، وقد يكون ما فهمته ناقصاً، وقد يكون ما سمعته جزءاً من القصة، بينما الحقيقة لا تزال تنتظر بقية فصولها.
الإنسان، ليس صفحة واحدة
إن السؤال من أعظم أدوات الإنسان في البحث عن الحقيقة، فالسؤال لا يُضعف المعرفة، بل يحميها من الغرور؛ وكلما ازداد الإنسان أسئلة، ازداد قدرة على الفهم، وأقل ميلاً إلى اختزال الناس في صورة واحدة أو موقف واحد.
فالإنسان ليس لحظةً في حياته، ولا كلمةً قالها في ساعة غضب، ولا خطأً ارتكبه قبل سنوات، ولا نجاحاً حققه مرةً واحدة، إنه رحلة كاملة، لا يمكن أن تختصرها لقطة عابرة.
ومن الظلم أن نقرأ صفحة واحدة من كتاب، ثم نزعم أننا فهمنا الرواية كلها؛ وكذلك الإنسان، لا يجوز أن نحكم على حياته، من صفحة واحدة.
المجتمع، يبدأ من هنا
ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان للآخر، ليس النصيحة، ولا المساعدة، ولا حتى المسامحة، بل أن يمنحه فرصة عادلة، ليُفهَم. فكم من إنسان تغيّر، عندما وجد من يسمعه؛ وكم من علاقة أُنقذت، لأن أحد الطرفين قرر أن يسأل قبل أن يغضب؛ وكم من خصومة انتهت، عندما اكتشف كل طرف أن ما ظنه إساءة، لم يكن سوى سوء فهم.
إن الفهم لا يغيّر الماضي، لكنه يغيّر المستقبل، لأنه يكسر تلك السلسلة التي تبدأ بانطباع، ثم تتحول إلى حكم، ثم إلى موقف، ثم إلى قطيعة، ثم إلى كراهية، وكل ذلك، قبل أن يعرف أحدٌ حقيقة الآخر.
ولهذا، فإن المجتمعات لا تتفكك بسبب اختلاف الناس، بل بسبب استعجالهم في تفسير هذا الاختلاف؛ فالاختلاف، يجب ان يولّد الحوار، أما الأحكام المسبقة، فتولّد الإقصاء.
قبل أن نغلق الصفحة
قد لا نستطيع أن نمنع عقولنا من تكوين الانطباعات، لكننا نستطيع أن نمنع هذه الانطباعات، من أن تتحول إلى أحكام نهائية.
وقد لا ننجح دائماً في فهم الآخرين، لكن مجرد المحاولة، تجعلنا أكثر عدلاً، وأكثر تواضعاً، وأكثر إنسانية.
فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يوافقه، بقدر ما يحتاج إلى من يحاول أن يفهمه.
ولعل أعظم أشكال الاحترام، ليست أن نتفق مع الآخر، بل أن نعترف بأن قصته تستحق أن تُروى، قبل أن نصدر حكمنا عليها.
وهنا، لا يصبح الفهم فضيلة شخصية فحسب، بل يصبح حجر الأساس في بناء المجتمع؛ فالقاضي يحتاج إليه، قبل أن يحكم؛ والمعلم، قبل أن يقيّم، والطبيب، قبل أن يشخّص؛ ورجل الدين، قبل أن يعظ؛ والسياسي، قبل أن يقرّر.
وكل واحد منا، قبل أن يقول: "أنا أعرف"؛ إن أخطر جملة قد يقولها الإنسان، ليست:"أنا لا أعرف" بل: "لقد فهمت كل شيء."
وربما، لن نستطيع أن نبني عالماً يخلو من الاختلاف، ولا ينبغي لنا أن نفعل، فالاختلاف ليس مشكلة، بل هو الدليل على أن البشر ليسوا نسخاً متطابقة؛ لكننا نستطيع أن نبني مجتمعاً، يؤجل أحكامه، إلى أن يمنح الحقيقة فرصة.
فحين يسبق الفهم الحكم، تتسع مساحة العدالة، وحين يسبق الحكم الفهم، تضيق مساحة الإنسان.
ولذلك، لم يكن السؤال في هذا المقال: كيف نتوقف عن الحكم؟
بل كان: كيف نصبح أكثر إنصافاً، قبل أن نحكم؟ ولعل الإجابة، لا تبدأ بتغيير الآخرين، بل بأن يمنح كل واحد منا الإنسانَ الذي أمامه فرصةً واحدة: أن يُعرّف عن نفسه... بنفسه.