الخوري د. مخائيل قنبر

بين جرح الهوية ووهم الكونية: تأملات في الازدواجية السياسية-الثقافية

9 دقائق للقراءة

هناك كتبٌ لا تُقرأ بل تُصغي إليها النفس، لأنّها لا تُكتب بالحبر وحده بل بالجرح والذاكرة… وبقلقٍ وجوديّ لا يريد أن يهدأ.

رافقني هذا الانطباع وأنا أقرأ كتاب بهجت رزق "الازدواجية بين السياسيّ والثقافيّ – 35 سنة في خدمة الأونسكو"، وإن كنتُ قد دخلت إليه بدايةً عبر نافذة صغيرة فتحها مقال الشاعر هنري زغيب، إلّا أنّ النافذة سرعان ما أصبحت بابًا واسعًا على دهشة فكرية ونبض إنسانيّ كامل.

فبهجت رزق يسير في كتابه المؤلف من ١٥٦صفحة والصادر عن دار (Erick Bonnier) على تخوم الفكر، متسلّحًا بالغضب مما عاشه في منظمةٍ كان يُفترض أن تكون مختبرًا للأفكار، فإذا بها تتحوّل إلى ساحةٍ تتجاذبها الأيديولوجيات والسلطات.

في هذا النص، لا يسرد بهجت رزق سيرة موظّفٍ دولي، بل يعرّي سيرة الثقافات حين تُخضِعها السياسة، ويستعيد سؤال الإنسان منذ أول كتابةٍ نقشها السومريون إلى آخر حربٍ اشتعلت في أوكرانيا وغزّة ولبنان.

ومن موقعي ككاهنٍ أقرأ التاريخ بعين الروح، وكمؤرّخٍ يقرأ الروح بعين التاريخ، أجد أنّ هذا الكتاب ليس مراجعةً لحقبة، بل هو إعادة قراءةٍ لجوهر الثقافة بوصفها امتحانًا للإنسانية كلّها. وانطلاقًا من موقعي ككاتب لسيرة المطران يوسف رزق، أقول أنّ بهجت رزق كتب بعنفوان مجبول بالقلق عن الهوية والثقافة و"ازدواجية السياسة والفكر" لأن في دمه كمفكّر إرثٌ آخر — إرث رجالٍ من معدنٍ كنسيّ ووطنيّ صلب، ومجدٍ فكري توارثته سلالته فكراً، كما توارثته دماءً.

من أجل ما تقدّم سأغوص أولًا في تفاصيل كتاب رزق لأستجلي منه أفكاره بخمس نقاط أساسية، ثم أعود بالزمن إلى القرن التاسع عشر فأستحضر حبرا كان رزقة عين ورقة ولبنان، وأقابله برزقة الفكر الذي مثّل لبنان أكثر من ثلاثة عقود في مؤسسة عالمية من أعرق معامل الأفكار في العالم.


أولًا: خريطة توتر الثقافة بين الهوية والكونية: من الجرح إلى الاقتراح

1. مفاصل القلق الثقافي بين التاريخ والسياسة والهوية

يرى بهجت رزق أنّ كل الصراعات البشرية، منذ خمسة آلاف سنة وحتى اليوم، هي صراعات ثقافية أولًا، تتخفّى خلف السياسة والعسكر والاقتصاد، لكن أصلها هو الهوية… ذلك السؤال الذي يولد من الرماد، والذي يخاف البشر أن يطرحوه على أنفسهم. وكأنّ فكر رزق يتمارى بما أورده بول ريكور (Paul Ricœur) في عمله "الذاكرة، التاريخ، النسيان" (La Mémoire, l’Histoire, l’Oubli) عن أنّ الجرح هو الذي يصنع الذاكرة، والذاكرة هي التي تصنع الهويّة.

لقد حوّل رزق في هذا الكتاب جرح الحرب اللبنانية إلى ذاكرةٍ ثقافية، وحوّل ذاكرته إلى سؤالٍ عن معنى الثقافة في زمن تتشابك فيه اللغات والهويات والحدود.

ففي فكر الرجل الذي عاش الثقافة قلقًا وجوديًّا، لا وظيفةً ولا زينةً. وفي وعي الشاب الذي حمل لبنان معه إلى باريس، لا في جواز سفرٍ، بل في وجدانٍ لم يهدأ منذ أكثر من ثلاثة عقود من القلقٍ على وطنٍ يبحث عن نفسه. تتراءى الثقافة لا كتجمّعات فولكلورية، ولا كفصول في كتاب مدرسي، بل كما ألمح هايدغر (Heidegger) في كتابه "الوجود والزمان" (Être et Temps)، كسؤال عن الوجود قبل أن تكون جوابًا عنه.


2. الأونسكو بين يوتوبيا التأسيس وبيروقراطية العصر

عندما انتسب بهجت رزق إلى الأونسكو عام 1990، دخل إليها كمن يدخل إلى "مدينة أفلاطون الفاضلة". لكنّه يخرج منها بعد 35 سنة وقد تحوّلت المدينة إلى متاهة بيروقراطية ابتلعت الفكر وشرّعت الأبواب أمام السياسي.

يصدم رزق القارئ بصدقه: لم يعد هناك نقاش فكري داخل الأونسكو. الفلاسفة هربوا، والخبراء احتلّوا المكان، وتحوّلت المؤسسة إلى آلة بطيئة، تدور… ولا تتقدّم.

لم تعد الأونسكو "ضمير الإنسانية"، فقدت قدرتها على التأثير في الواقع، وأصبحت تتدخّل بعد الكوارث، لا قبلها. لا يُشيطن رزق المؤسسة، بل يقول إنها تحتاج إلى "ثورة فكرية" تعيد لها دورها الطبيعي في منع النزاعات لا في توثيق آثارها.


3. لبنان… من الحرب إلى السؤال

يخصّ الكاتب لبنان بفصل روحيّ مؤلم. لبنان، هذا الوطن الذي حمله العالم كرسالة، وحمله يوحنا بولس الثاني كرجاء، انتهى به الأمر نموذجًا صارخًا لصراع الهويّات الثقافيّة.

لبنان ليس دولة–أمّة، بل دولة–مجتمعات. ثماني عشرة طائفة تعيش فوق الجبل نفسه، لكن تحت ذاكرات مختلفة… وتحمل أوطانًا داخل الوطن. هنا يتقاطع بهجت رزق مع ميشال شيحا الذي قال: "لبنان فكرة قبل أن يكون حدودًا." ومع أمين معلوف الذي كتب عن أنّ "الهويّات القاتلة تولد حين ننكر تعدّدنا."

إنّ قراءة لبنان في كتاب رزق ليست تحليلًا سياسيًا، بل درسًا عميقًا في أنثروبولوجيا العيش معًا.


4. العودة إلى هيرودوت — ما قبل الحرب وما بعدها

من أجمل مقاطع الكتاب عودة بهجت رزق إلى هيرودوت، ذلك المؤرّخ الذي سبق الفلاسفة وحدّد هوية الشعوب بأربع ركائز هي اللغة - الدم (الانتماء) – الدين - العادات والتقاليد. فأظهر بجرأة أنّ هذه الركائز التي حاولت الأونسكو تجاوزها باسم "الكونيّة" هي نفسها التي تشعل الحروب حتى اليوم.

قال هيرودوت، في القرن الخامس قبل الميلاد، ما يقوله هنتنغتون في نهاية القرن العشرين: "العالم يتحرّك بالصراعات الثقافية." لكن الفرق بينهما فرق حضارتين: هيرودوت شاهدٌ محايد، وهنتنغتون نذير قلق. أما بهجت رزق، فهو ابنُ قلقٍ عاشه ودرسه وواجهه، فحوّله من نبوءة حربٍ إلى مشروع تفكير.


5- نحو مشروع ثقافي جديد — من القراءة إلى الاقتراح

يحتاج العالم اليوم، كما يرى المؤلف، إلى الانتقال من: "حوار الثقافات" إلى: "تفاوض الثقافات" — أي الاعتراف بأن الاختلافات ليست زينة بل بنية وجودية. من أجل ذلك يقدّم رزق دعوة لإعادة بناء الثقافة بوصفها مساحة لقاء لا صراع. ومن موقع تجربتي الروحية والتربويّة، أرى أنّ ما يقترحه الكاتب ليس إصلاحًا إداريًا… بل "فداءً ثقافيًا" للعالم. وبهدف الاختصار، نورد خمس اقتراحات وجدناها جوهرية في كتاب رزق لقيام هذا المشروع:

أ. إعادة تعريف الثقافة. ليست الثقافة زينة حضارية، بل مسؤوليّة أخلاقية: ذاكرة + حرية + علاقة + مصالحة.

ب. إعادة ولادة المختبر الفكري داخل الأونسكو. اختبار دور المفكّرين والفلاسفة من جديد، بعيدًا عن ضغط السياسيين والاقتصاديين.

ج. تأسيس مشروع لبناني للهوية المتصالحة. كتابة سردية وطنية جديدة تعيد للبنان رسالته، لا بوصفها شعارًا… بل مشروع وجود.

د. التربية الثقافية الجديدة. إدراج ثقافة الحوار في المدارس والجامعات والرعايا. ليس الحوار خطابًا… بل مهارة وجودية.

هـ. ثقافة السلام كخلاص. السلام ليس هدنة، بل "قيامة روحية" كما يقول الكتاب المقدّس: "طوبى لفاعلي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون."

وفي الختام: العالم بحاجة إلى فلسفة جديدة للعيش المشترك، لا تقوم على الإنكار، بل على الشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها.


ثانيًا: حين يحمل الحفيد قنديل الجدّ: من صلابة المذبح إلى قلق الثقافة

ليس بهجت رزق ابن تجربة مهنية فحسب، بل ابن سلالة روحية وطنيّة تمتدّ إلى المطران يوسف الجزيني (رزق)، الذي وصفه الكاردينال لافيجيري (Lavigerie) قائلًا: "ذكّرني، رغم ثمانين عامًا، بملامح وصلابة أولئك الأساقفة المقاتلين الذين وقفوا في بوفين (Bouvines) إلى جانب فيليب أوغست (Philippe Auguste)".

هذه العبارة وحدها تكفي كي نفهم ما لا يقوله الكاتب في كتابه: أنّ الفكر لا يولد من رأسٍ بارد… بل من ذاكرة. من رجل عاش على حافة السيف، فترك لحفيده سيفًا آخر: قلمًا لا يتراجع.

حمل يوسف رزق مسؤولية الرعية حين كان الزمن نارًا، وبهجت رزق يحمل اليوم مسؤولية الثقافة حين صار الزمن رمادًا. قاتَل الأول ليحمي الأرض والجماعة، والثاني يكتب اليوم لينقذ معنى الإنسان في عالمٍ يتفكّك. فالاثنان وجهان لقلق واحد، وقامتان من خشب الأرز.

فالجدّ، رجل عين ورقة، لم يكن أسقفًا يجلس في كرسيّه الصقيل داخل المطرانية، بل كان رجلَ «الهبّة» الأولى، الذي يخلع حلّته إذا سمع صراخًا خلف التلال. ففي أطروحتي وثائق تشهد أنه لم يُميّز بين غني وفقير، بين بسكنتا وجزين، بين دمار بيت ودمار أبرشية بأكملها. وعندما ضرب زلزال 1838 الجنوب، لم يكتب المطران بيانات بل نزل إلى الركام، ومنح من ماله، وجمع من غيره، وكتب رسائل يتوسّل فيها معونة عاجلة لعائلة "قتل ابنها تحت الحطام".

ذلك الرجل، الممتلئ بجبروت الرحمة لا بجبروت السلطة، هو الجذع الذي خرج منه غصنٌ اسمه بهجت. لكن الغصن هنا لا يشبه الجذع شكلاً، بل جوهرًا: يوسف حمل الفقراء على كتفيه، وبهجت يحمل الإنسان في مخاضه الثقافي.

كان الأول يقيل الوكيل المالي إن قصّر في حساب المدرسة، ويرفع مستوى التربية بصرامة النص واليمين والوقْف كما تذكر وثائق عين ورقة بوضوح، والثاني يقيل في كتابه الأفكار الكسولة في الأونسكو، ويدعو العالم إلى مراجعة معنى الثقافة، كي لا تتحوّل الإنسانية إلى وظيفة بيروقراطية.

حصل الأول على بركة الكرسي الرسولي في وثيقة تشهد بها يد الكردينال برنانو ذاته، يهنّئه على غيرته ويطلب دوام حياته ونجاحه كما ورد نصًا في الوثيقة المؤرخة سنة 1856، والثاني حصد شرعية من نوع آخر —شرعية الفكر لا الشرعية الكنسية — شرعية من عاش 35 عامًا في قلب أرفع منبر ثقافي عالمي يصرخ فيه ضد خيانة المعنى.

لم يكن يوسف رزق أسقفًا من ورق، بل فارسًا من لحم وإنجيل. وبهجت رزق حفيده الروحي — ليس مفكّرًا من ورق، بل حارسًا للفكرة في زمن صارت فيه الفكرة بلا حصان.

ولو أنّ التاريخ شاعرٌ، لقال إن السلالة لا تُقاس بالاسم، بل بنبرة القلب حين يقف في مواجهة الخراب.

قاتل يوسف رزق بحضور الجسد، ويقاتل بهجت رزق اليوم بحضور المعنى. أطفأ الأول حرائق التربة، ويحاول الثاني إخماد حرائق الهوية. وبين السيف والقلم، يمتد خيط واحد — خيط أرز لبنان، خيط الذين لا يتراجعون.


بين السياسيّ والثقافيّ، بين ذاكرة الحرب وجرح الهوية، يقف بهجت رزق شاهدًا على عصرٍ فقد القدرة على الإصغاء إلى نفسه. لكنّ الكتاب يذكّرنا بأنّ الثقافة، إذا استعدنا جوهرها، قادرة أن تصبح صلاةً كبرى للإنسانية… صلاةً تردّ على سؤال الوجود بمعنى، وعلى الخوف برجاء، وعلى الانقسام بالحبّ. وربّما… في عالمٍ يزدحم بالحروب، لا نملك سوى الثقافة لتعيد الإنسان إلى إنسانيته، والإنسانية إلى الله.