ثمة جروح لا تنزف دمًا، لكنها تستنزف العمر قطرةً قطرة. لا يراها أحد، لأنها لا تترك أثرًا على الجلد، بل تنقشه في أعماق الروح. هي الندوب التي كتبتها الحياة بصمت، وحفرتها المواقف في ذاكرة الجسد حتى أصبح يحملها وإن بدا كاملًا في عيون الآخرين.
قد تكون بقايا طفولةٍ ناقصة، كُتبت على أوراقٍ هشّة قبل أن تشتدّ أغصانها، أو صدى كلماتٍ قاسية، أو نظراتِ عدمِ اهتمامٍ، أو لحظاتٍ شعرنا فيها أن ما قدمناه من حبٍ وصدقٍ واهتمامٍ لم يجد قلبًا يحتضنه. فليس كل كسرٍ يُسمَع صوته، وبعض الأرواح تتشقق في صمتٍ لا يلاحظه أحد.
كم من إنسانٍ يبدو واقفًا بثبات، بينما يخفي في داخله حربًا لم تنتهِ بعد. فالظاهر كثيرًا ما يخدع، أما الحقيقة فتسكن في تلك الندوب التي لا تُرى، لكنها تعلّمنا أكثر مما تعلّمنا كل الجراح الظاهرة. فهي التي تمنحنا القدرة على فهم وجع الآخرين، وتزرع فينا رحمةً لا تُكتسب إلا بعد الألم.
ندوب الأرواح هي خريطة الآلام المرسومة على صفحة الجسد المثالية. تنظر فلا ترى شيئًا، لكن إن حدّقت بعين القلب، تتراءى لك شقوقٌ عميقة، خبّأها أصحابها خلف ابتسامةٍ متقنة، أو خلف نجاحٍ لامع، أو خلف صمتٍ ظنه الناس راحة.
ولعل أعظم ما تمنحنا إياه تلك الندوب، أنها تعيد ترتيب مقاييسنا. فندرك أن أثمن ما يمكن أن نهديه لإنسان ليس المال، بل شعورٌ صادق بالاحتواء، واهتمامٌ لا ينتظر مقابلًا، ونظرةٌ تقول: "أنا أراك... حتى وإن أخفيت وجعك."
فالروح، وإن امتلأت بالندوب، لا تفقد قدرتها على النور. بل لعل النور نفسه يجد طريقه إلينا من خلال تلك الشقوق التي ظننا يومًا أنها ستكون نهايتنا.