مع انطلاق كل محفل كروي عالمي، يتجدد في المقاهي الرياضية والمنصات الرقمية جدل مشحون بعبارات السياسة والتاريخ، إذ يرى البعض في توهج النجوم ذوي الأصول الإفريقية بقمصان المنتخبات الأوروبية شكلًا من أشكال "السطو الفكري والكولونيالي" المستمر. ولكن، إذا تركنا العاطفة جانبًا وتأملنا لغة الأرقام والمؤسسات، فهل تعكس هذه الظاهرة سرقة عشوائية، أم أنها النتيجة الطبيعية لمنظومة رياضية أوروبية شديدة الاحترافية، تقابلها خيارات حرة وعقلانية للاعبين يملكون السيادة الكاملة على مصيرهم الرياضي؟
أولاً: الأرقام تتكلم - فرنسا في قلب المعادلة
بحسب بيانات شركة "أوبتا" العالمية لمونديال 2026، ضمت قوائم المنتخبات الـ 48 المشاركة 1248 لاعباً. من بين هؤلاء، وُلد 99 لاعباً على الأرض الفرنسية (نحو 8% من الإجمالي)، لتتصدر فرنسا قائمة بلدان الميلاد الأكثر تمثيلاً في البطولة.
المفارقة الصارخة لا تكمن في قوة فرنسا العددية، بل في وجهة هذه المواهب: فبينما استدعى منتخب "الديوك" ثلاثة لاعبين فقط وُلدوا خارج فرنسا، اختار 76 لاعباً آخرين من مواليد فرنسا تمثيل منتخبات أخرى، أبرزها الجزائر (13 لاعباً)، والسنغال (10 لاعبين)، وساحل العاج (8 لاعبين). والأهم أن 39 لاعباً من هؤلاء مثلوا فرنسا في الفئات العمرية الصغرى قبل اختيارهم النهائي. هذا التوزيع يقلب زاوية النظر؛ فالمنظومة الفرنسية تُخرّج فائضاً من المواهب يتجاوز حاجة منتخبها، وتترك للاعبين حرية اختيار يفتقدها من تدرب خارج هذه البيئة الاحترافية.
ثانياً: المنظومة الفرنسية والحماية القانونية للقاصر
لا يمكن فهم هذا التدفق بمعزل عن البيئة القانونية؛ فمنذ صدور "قانون بوفيه" الصادر في 28 كانون الأول 1999 وتعديلاته، بات التكوين يجري حصراً داخل مراكز معتمدة توازن إلزامياً بين البناء الرياضي والتعليم المدرسي. وقد فرض هذا التشريع، الذي أقرته وزيرة الرياضة السابقة ماري جورج بوفيه، إلزامية الرقابة الإدارية والمالية على الهياكل الرياضية، مع وضع نظام حماية مشدد لعقود اللاعبين القاصرين يحميهم من الاستغلال التجاري ويضمن حقوقهم التعليمية. وبموجب هذا القانون، أصبحت الأندية مجبرة على توفير تكوين مهني أو دراسي موازٍ للتدريب الكروي، مما جعل مراكز التكوين الفرنسية بيئة تربوية آمنة ومحترفة تصنع نجوماً محصنين قانونياً وعلمياً.
أما الحماية القانونية للناشئين فتبطل فرضية "الاجتذاب القسري"، إذ يمنع القانون الفرنسي صراحة توقيع أي عقد عمل (كمتدرب أو متمرن) قبل بلوغ سن الـ 15 وإتمام التعليم الأساسي، وهو ما ثبّته القضاء رسمياً في قضايا شهيرة كقضية "جيريمي هيلان" ضد نادي رين عام 2012. كما يعتمد الفقه نظام "المؤازرة"، حيث يوقع القاصر عقده بنفسه برفقة ذويه لضمان عدم تحول العقد إلى عمل قسري تحظره المواثيق الدولية. ويخضع كل عقد لمصادقة إدارية صارمة من الرابطة المحترفة وفحص طبي دقيق قبل التوظيف. هذا الانضباط التشريعي يضع مصلحة القاصر فوق مصلحة النادي.
ثالثاً: التجربة الألمانية - ثورة الأكاديميات
عقب خروجها المذل من بطولة أمم أوروبا عام 2000، أطلقت ألمانيا إصلاحاً هيكلياً ألزم أندية البوندسليغا بإنشاء "مراكز تكوين للناشئين" (NLZ) تخضع لرقابة وتدقيق دوري مستقل.
وبحلول عام 2025، استثمرت الأندية أكثر من مليار ونصف المليار يورو في 59 مركزاً. ورغم أن هذه المراكز تستقبل سنوياً نحو 5588 موهبة، فإن 70 لاعباً فقط في المتوسط يصلون للاحتراف كل موسم (أقل من 1%). هذا الانتقاء الشرس، الذي يصاحبه أحياناً ضغط نفسي كبير على المستبعدين، يثبت أن المعيار الوحيد الحاكم هنا هو جودة الأداء الفني، بعيداً تماماً عن اعتبارات الأصل أو العرق.
رابعاً: النموذج الإنجليزي - معيار التكوين المحلي
في إنجلترا، اعتمدت الرابطة الممتازة منذ موسم 2010-2011 قاعدة "اللاعب محلي التكوين" (HOME GROWN PLAYER). تفرض هذه القاعدة تسجيل 8 لاعبين محليين على الأقل في قائمة كل نادٍ.
المثير قانونياً أن تعريف "اللاعب المحلي" لا يرتبط بجنسيته أو أصله العرقي، بل بمدى انخراطه في المنظومة لثلاثة مواسم قبل سن الحادية والعشرين. هذا الحياد القانوني يفسر بنيوياً كيف أصبحت الأكاديميات الإنجليزية، المصنفة بدقة وفق معايير التمويل والتعليم، بوابة عبور طبيعية للمواهب المنحدرة من أصول مهاجرة بناءً على كفاءتهم الرياضية وحدها.
خامساً: من يملك القرار؟ كلمة الفصل للفيفا
لو كانت فرضية "السرقة" صحيحة، لفرضت الاتحادات الأوروبية جنسيتها الرياضية قسراً. لكن المواد من 5 إلى 8 من لائحة نظام الفيفا الأساسي تقيم الأهلية الدولية على ركيزة واحدة: إرادة اللاعب الحرة. وتشترط اللوائح وجود رابط بيولوجي أو جغرافي واضح للاعب مزدوج الجنسية (مكان الميلاد، ميلاد الأبوين أو الأجداد، أو الإقامة).
وقد أتاحت تعديلات عام 2020 للاعبين تغيير انتمائهم الرياضي بضوابط صارمة؛ ولعل أبرز تجسيد لهذه القوانين هو ما يُعرف بـ "تعديل منير الحدادي"؛ فاللاعب السابق لنادي برشلونة كان محروماً من تمثيل المغرب بسبب مشاركته لمباراة رسمية واحدة مع منتخب إسبانيا الأول عام 2014 وهو دون الـ 21 من عمره. وجاءت تعديلات الفيفا لتنقذه وتضع معايير جديدة تتيح التغيير بشرط ألا يتجاوز اللاعب ثلاث مباريات مع المنتخب الأول قبل سن الـ 21، وأن تمر ثلاث سنوات على آخر مشاركة دون خوض نهائيات قارية أو مونديالية. وبفضل هذا التعديل، تم السماح للحدادي بتمثيل المنتخب المغربي في تشرين الأول 2020. وبناءً عليه، فإن هذه المرونة القانونية واختيار مئات اللاعبين فرنسيي المولد تمثيل بلدانهم الأصلية كالجزائر والسنغال، يمثل دليلاً دامغاً على أن سلطة القرار قانونياً وعملياً هي في يد اللاعب نفسه.
الأمانة العلمية تستوجب الاعتراف بوجود تفاوت بنيوي واقتصادي حاد في تمويل الموارد الرياضية بين قارتين، وهي مسألة تنموية تستحق النقاش. لكن هذا التفاوت يختلف تماماً عن اتهام أوروبا بـ "سرقة المواهب" ".
إن نجاح المنتخبات الأوروبية في تقديم المهاجرين هو نتاج منظومة فائقة الإحكام، تصنع الفرصة بالاستثمار، وتحمي القاصر بالقانون، ثم تترك لصاحب الشأن حرية اختيار قميصه الوطني بكامل إرادته.
فالمشكلة الحقيقية ليست في أوروبا التي تستثمر وتؤطر، ولا في اللاعب الذي يمارس حقاً كفله له القانون، بل في غياب بيئات قادرة على استبقاء المواهب وتوفير الظروف التي تجعل الانتماء الرياضي خياراً طبيعياً لا مفروضا.
مستشار قانوني متخصص في القانون الرياضي