ليست المعضلة في المجتمعات التي تعيش الأزمات المتكررة أنها تخطئ في خياراتها، فكل الأمم عرضة لسوء التقدير وتبدّل الوقائع وتعقّد الظروف. لكن المعضلة الأعمق تكمن في سؤال يُتجنَّب عادةً رغم بداهته: من يملك حق اتخاذ القرار الذي يطال مصير الآخرين، ومن يتحمل نتائجه عندما تتكشف الحقائق؟
في التجارب الطبيعية للدول، القرار السياسي ليس فعلاً رمزياً أو خطابياً، بل مسؤولية قابلة للمساءلة. من يقرر في الشأن العام لا يملك سلطة الدفع نحو خيار ما فحسب، بل يتحمل أيضاً عبء تفسيره وتبريره ومراجعة نتائجه أمام المجتمع. أما حين تُفصل سلطة القرار عن المساءلة، فنحن لا نكون أمام نظام سياسي متوازن، بل أمام بنية رمزية مغلقة تعيد إنتاج ذاتها دون مراجعة.
في العالمين العربي والإسلامي، اتخذ هذا الانفصال شكلاً أكثر تعقيداً. فالقرار لا يُقدَّم بوصفه اجتهاداً بشرياً قابلاً للنقاش، بل يُغلَّف أحياناً بهالة دينية أو أخلاقية أو وجدانية، بحيث يتحول السؤال عنه إلى سؤال عن "الولاء" لا عن "النتيجة"، وعن "النية" لا عن "الكلفة". وهنا يحدث التحول الأخطر: تُستبدل العاطفة بالعقل في تقييم السياسات، ويُعاد تعريف النقد بوصفه تمرداً، لا بوصفه حقاً في الفهم والمساءلة.
في هذا السياق، لا تُناقش الكلفة الفعلية للقرارات بقدر ما يُعاد تأويلها. فإذا كانت النتائج صعبة، قيل إنها ضرورة لا بد منها، وإذا كانت قاسية قيل إنها ثمن لا يُسأل عنه، وإذا طال أمدها أُعيد إدراجها ضمن سردية الصمود. ومع ذلك يبقى السؤال المؤجل قائماً: هل كان بالإمكان اتخاذ قرار أقل كلفة على الإنسان والمجتمع؟
غياب هذا السؤال لا ينتج خللاً في الفهم فحسب، بل يُنتج إعادة توزيع غير متكافئ للمسؤولية. فالمجتمع يتحول إلى جهة مطالَبة بالدفع المستمر في مختلف المستويات: في الدم، والاقتصاد، والاستقرار، والنسيج الاجتماعي. بينما تبقى جهة القرار في موقع رمزي محصَّن، تُنسب إليها النجاحات بوصفها ثمرة الحكمة، وتُفسَّر النتائج السلبية بوصفها قدراً أو مؤامرة أو ضرورة لا مفر منها.
وهكذا تتكرس "المسؤولية غير المتكافئة": تتسع دائرة من يتحملون النتائج، بينما تضيق دائرة من يملكون حق مساءلتها. ومع مرور الوقت، لا يعود السؤال عن القرار سؤالاً عاماً، بل يُعاد تأطيره بحيث يبدو خروجاً عن الإجماع، أو تهديداً للتماسك، أو طعناً في الثوابت.
ولعل أخطر ما في هذه البنية أنها لا تعمل بالقسر المباشر، بل بالعاطفة المنظمة. فالمجتمع لا يُمنع من السؤال بالقوة، بل يُعاد تشكيل وعيه بحيث يُنظر إلى السؤال نفسه بوصفه جحوداً أو تشويشاً أو ضعفاً في الانتماء. وهكذا يُستبدل النقد بالامتنان، والمراجعة بالصمت، والمحاسبة بالصبر.
في هذه اللحظة تحديداً، يتغير معنى القرار. فهو لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للتقييم، بل يتحول إلى "ملكية أخلاقية مغلقة": لا يُسأل فيها من قرر، بل يُسأل فيها من يعترض. وهذا التحول يفسر جانباً من استمرار أنماط متشابهة من الأزمات، رغم تغيّر الشعارات والظروف والأطراف.
ولعلّ أخطر ما تكشفه هذه البنية ليس فقط اختلال العلاقة بين القرار ونتائجه، بل اختلال معنى "الحق في الخطأ". فحين يمتلك فرد أو جماعة حق اتخاذ قرار مصيري باسم الناس، ثم يُحاط هذا القرار بسياج رمزي يمنع مساءلته لاحقاً، فإننا لا نكون أمام خطأ في التقدير، بل أمام تعطيلٍ فعلي لفكرة المسؤولية نفسها. عندها يصبح الخطأ محصّناً، وتصبح نتائجه ملكاً عاماً، بينما يبقى صانعه خارج دائرة التأثير والتبعات، وكأن التاريخ يُدار بيد واحدة تدفع الثمن بيد، وتحصد الشرعية باليد الأخرى.
أما مفهوم النصر والهزيمة، فيفقد هنا معناه التحليلي ليصبح جزءاً من خطاب تعبوي. فبدلاً من أن يُقاس بمدى حماية الإنسان وتقليل الكلفة وصيانة المجتمع، يُقاس بمنطق "إنتاج الشرعية" واستمرار "سردية المعنى السياسي". وبهذا المعنى قد تستمر الكارثة دون أن تُسمّى كذلك، طالما أنها قادرة على إنتاج آليات تبريرها الخاصة وإعادة تدويرها خطابياً.
إن إعادة الاعتبار لفكرة المسؤولية تبدأ من تفكيك هذه "الملكية الأخلاقية المغلقة"للقرار. فلا قداسة لقرار بشري، ولا حصانة لنتائج تمس حياة الناس، ولا شرعية لأي مشروع يُطلب من المجتمع أن يتحمل كلفته دون أن يملك حق السؤال عنه.
فالمجتمعات لا تنهض حين تُمنح شعارات أكبر، بل حين تُمنح حقاً أبسط: أن تسأل من قرر، ولماذا، وبأي كلفة، وبأي بدائل تم تجاهلها.
وفي النهاية، ليست الأزمة في اتخاذ قرارات صعبة، بل في اتخاذ قرارات مصيرية بلا مساءلة، ثم مطالبة الجميع بالتعامل مع نتائجها بوصفها قدراً لا خياراً بشرياً قابلاً للنقاش.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: إذا كان القرار يُتخذ باسم الناس، فلماذا لا تكون مساءلته حقاً لهم؟