يتبيَّن من مطالعة خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 4 تموز 2026، أن المنهجية التي أرساها جيمس بيرنهام، وتابعها فانس في "مرثية هيليبيلي"، بدأت تثمر ماكارثية محدثة تقف على محاور ثلاث.
محاور الماكارثية في خطاب الناشيونال مول.
المحور الأول استحضار الإطار الأيديولوجي في الثنائية القطبية المحدثة، فطالما أن الصين ما تزال تعتمد على العقيدة الشيوعية المحدثة، وتستمد قوتها البنيوية من الـ Meritocracy فيكون لزاما استحضار الاختلاف البنيوي الفكري بين العقليتين ليكون وقودا عقائديا يؤسس لاختلاف منهجي بين القطبين.
وسائل الاعلام الصينية الرسمية لم تتحدث عن الهجوم على الشيوعية، وانما أبرزت وكالة "شينخوا" وصحيفة "جلوبال تايمز" تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، بأن الرئيس الصيني شي جين بينغ بعث برسالة تهنئة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمناسبة الذكرى السنوية الـ 250 لإعلان الاستقلال الأمريكي، وذلك نيابة عن الحكومة والشعب الصيني، ما يُظَهِّر حكمة صينية وأسلوبا لَبِقًا في تجاوز الصراع، وهنا لا بد من الإشارة إلى تمايز بنيوي بين أسلوب الصين وأسلوب الاتحاد السوفياتي، ففيما انجرّ الاتحاد السوفياتي إلى الحرب الدعائية واللغة الصارمة بل والملاحقة الداخلية في خضم الحرب الباردة، تجاوزت الصين خطاب ترمب المعادي للشيوعية وتعاملت معه كأنه لم يكن في براغماتية عملياتية تترجم الحقائق التي تم الاتفاق عليها في قمة G2 في بيكين. فنحن اليوم لا نتعاطى مع الماركسية الثورية بل مع الماركسية الميركانتيلية الرقمية التي تسعى إلى تحقيق النتائج الاقتصادية دون ان تضيع بوصلتها في المتاهات العقائدية الدوغماتية، وهذه النمطية لا تقف عند حدود المملكة الوسطى في الصين بل تمتد إلى العقلية التشغيلية لكل القوى الاقتصادية في العالم.
في هذا الاطار العقائدي الجديد يأتي تحالف ماسك/فانس الذي جمع طرفي المنظومة الاجتماعية الغربية وتجلى في مفهوم الكفاءة الحكومية وDOGE، فكان انقلابا تاما على سلطان المديرين وفق ما رسمه جيمس بيرنهام.
المحور الثاني إقليمي، حيث تحسم اميركا الجديدة، اميركا أبيا يالا Abya Yala، ويمتد فيها الحصن الأميركي ليشمل الاميركيتين، وهنا وضع ترمب خصما إقليميا وهدفا للتحقيق، فتحطيم الشيوعية اللاتينية ليس منازلة كوبا في الستينات، وطالما أن الثمن اعلن عنه هيغتس بتاريخ 10 حزيران 2026 في غوانتانامو: "استعادة نصف الكرة الأرضية خاصتنا"، ما يفيد بقراءة "المسكوت عنه" ترك نصف الكرة الأرضية الذي يعود للآخرين، وفي هذا الاطار يفهم كيف تم الاتفاق على نقل تكنولوجيا رقائق الـ2 نانو وما دون الى الولايات المتحدة من تايوان، وكيف يتم العمل بصمت على استقلال الولايات المتحدة التكنولوجي. سبق وعرضت في مقال سابق لدور فينزويلا والبيرو في هذا السياق، وفي ضوء ابيا يالا يمكن قراءة رسالة ترمب الثانية للإقليم في الصراع مع الشيوعية.
أما الشق الأهم فهو المحور الداخلي والانتخابات النصفية، التي احتلت بصورة غير مباشرة الحيز الأكبر من خطاب ترمب، فجاء استحضار التاريخ العسكري الأميركي بحضور عسكريين متقاعدين واستحضار شخصيات تاريخية من أصول افريقية أميركية وذكريات المعارك وربط الإنجاز العسكري في ايران وفنزويلا مع الماضي، كل هذا يقترن ببعث الماكارثية المحدثة ليواجه بها الليبرالية: ففي لعبة السيف والترس لبس ترمب درع التراث الحربي الاميركي والبطولات العسكرية وقدامى العسكريين الحاضرين، وامتشق قانون Save America Act ليشن حملة على الليبراليين فإذا بالكلينتونية/الاوبامية تختنق بين فكي كماشة ترمب / ساندرز، وجاءت مطرقة تولسي غابارد في 18 حزيران، عندما فضحت الدكتور فاوتشي ودمرت معه مصداقية بايدن وادارته، لتحطم ما بقي من اتزان في الجبهة الليبرالية. وعلى الضفة الثانية من الأطلسي سيعمل اندي بيرنهام على تفكيك مجلس اللوردات ومعه تفكيك تداخل الكنيسة الأنغليكانية مع السلطة والاوليغارشية الوراثية مع النفوذ الدستوري، فأندي بيرنهام هو نفس القيمة لبيرني ساندرز ولكن باتجاه معاكس، ففيما بيرني ساندرز يكافح الشركات الكبرى وهو يهدم الليبرالية المتوحشة، يتحالف أندي بيرنهام مع شركة بلاك روك وشقيقاتها في مواجهة الليبرالية المتوحشة، وليكون ملك الشمال المتوج على انقاض عرش مدينة لندن، ويعيد مفاتيح المدينة الى أهلها من يد المستثمرين الأجانب، وفي هذا الطريق يفكك اللحام ما بين الدولة والكنيسة عبر الغاء مقاعد الكرادلة الخمسة وعشرين في مجلس اللوردات ما سيؤدي إلى فصل الدين عن الدولة بصورة قاطعة في المملكة المتحدة وسيمتد هذا الأثر إلى كل حركات الإسلام السياسي التي انبثقت عن إرادة التاج في القرن العشرين، وهذا ما سينعكس لاحقا ضمورا وانحلالا لكافة العقائد المستوردة والهدامة في الشرق الأوسط، ففي هذا الشرق لم تكن عقائد الدين السياسي يومًا إلا منتجًا مستوردًا يزول مع زواله في بلد المنشأ، وفي هذا السياق يجب قراءة التحولات القادمة وسعي أحمد داوود أوغلو لخلق تحالف تركي إيراني، سوري عراقي، يحل محل "مشروع البحار الخمس"، هذا المشروع اصطدم بحقيقة الصدع الكبير وجنازة 4 تموز في طهران التي شاركت بها تركيا بوفد رفيع المستوى.
جنازة 4 تموز.
فيما أكثر من 70% من الشعب الأميركي كان يحتفل بالذكرى 250 لاستقلال اميركا، وفيما كان العالم يحتفل مع الولايات المتحدة في مشاهدة مباراة بنسلفانيا التي شاء القدر ان تتواجه فرنسا لافاييت مع البارغواي في مباراة ترمز إلى علاقة وتأثير فرنسا بالتحرر الأميركي من سلطان التاج البريطاني، والدين السياسي، كان الإسلام السياسي يسعى للاستثمار في جنازة المرشد الراحل علي الخامنئي.
لم نعتد ان نعلق على الجنائز ولن اخوض في دعاية مغرضة تنال من حرمة الموت، ولكن عندما ينحى الإسلام السياسي في تحالفه الممتد من أنقرة إلى طهران (وفق ما أعلن أحمد داوود اوغلو)، منحى الكراكيب في الاستفادة من عزاء وتعاطف مع الوفاة لزعم استمرار زعامة موهومة، عندها يكون من الضروري تشريح المشهد خاصة عندما يتسع مدى المشهد من حالة عابرة إلى مراهنات مضرة بالصحة العقلية.
عندما تتحول الجنازة إلى موقف سياسي يصبح كل من لم يشارك فيها مقاطع لها وبالنتيجة معارض للموقف السياسي، عليه، فقد أثبتت خلية حبيب أن أكثر من 80% من الشعب الإيراني مخالف لسياستها ومعارض لنظام الإسلام السياسي، فسعت البروباغاندا لإثبات التفاف جماهيري فإذا بها تمارس حالة استقطاب واستقطاب مضاد، وفي هذا الحالة كل من لم يشارك في الجنازة أصبح في حالة الاستقطاب المضاد، ربما لا تكون هذه هي الحقيقة ولكن الرسالة التي أرسلها معسكر عمار ومركز دعبل كانت هذه نتائجها: يضاف إلى ذلك ان بروباغاندا مركز دعبل أثبتت من حيث لا تدري مقاطعة إقليمية واسعة للتشييع فمن دول الخليج لم تحضر إلا عمان، قطر والمملكة العربية السعودية، وعربيًا حضر اليمن، لبنان مصر تونس والعراق. هذه المشاركة لا تعبر عن ثقل إقليمي كما أحَب إعلام خلية حبيب أن يُظَهِّر فمعظم الدول المشاركة لا تحبذ القطيعة في حالات الوفاة ولا يمكن لعاقل أن يتوهم أن المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والجمهورية التونسية قد خضعت لصواريخ ومسيرات خلية حبيب. وهنا لا بد من إيضاح مسألة هامة في فهم دبلوماسية المملكة العربية السعودية، فمن الصعب جدا أن تقاطع المملكة أي طرف إسلامي إلا عند حالات الضرورة القصوى، ولطالما مارست المملكة سياسة النفس الطويل والحفاظ على حبل الود وصلة التراحم مع الدول الإسلامية انطلاقا من دورها الجامع الذي تفرضها عليها سدانة الكعبة المكرمة وخدمة الحرمين الشريفين. وقد اثمرت سياسة المملكة ودول الخليج العربي والدول العربية تحولاً من دور منفعل بالأزمة والصراع إلى دور الشريك الفاعل في رسم السياسة الدولية، وكانت مشاركة الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية في قمة إيفيان أكبر دليل على أن العرب خرجوا من مصاف المتفرج على سياسات القوى الكبرى والمتأثر بها إلى دور الشريك الند في المنتديات الدولية، وجاء حجم مشاركة المنتخبات العربية في نهائيات كأس العالم ومشاركة ثماني منتخبات عربية بين الفرق ال 48 الأفضل في العالم من أصل 200 دولة، ليرمز إلى خروج الانسان العربي من صفوف المتفرجين إلى مضمار اللاعبين الفاعلين، وقد توصل المنتخب المصري إلى مقارعة حامل اللقب وكاد يجهز عليه في دلالة على كفاءة الانسان العربي.
البارحة اهتزت طرابلس فرحًا وتضامنًا مع المنتخب المصري، وطرابلس أكثر مدن المتوسط التي تعي حقيقة النمط السعودي وكيفية تعاطي المملكة مع كافة مكونات المجتمع وكيف تراعي المملكة العربية السعودية المعادلات المجتمعية الدقيقة وتحفظ لكل مُكوِّن احترامه وحقه، فالمملكة تسعى إلى استقرار الإقليم ومحاربة الفتنة ولطرابلس حصتها من رعاية المملكة كما لها حصتها من سعي دعاة الفتنة.
طرابلس الفيحاء.
فيما انشغل الناس بتحليل إشاعات واخبار غير بريئة تصنف جميعها في انتاجات فرقة إسماعيل النجار للتهديد والتهويل وبث الفتنة وعرض العضلات أمام الشركاء في الوطن، كانت الرسائل الهادئة تترجم حقيقة الواقع الأمني: "طرابلس لم تعد صندوق بريد" هذه الحقيقة تمت ترجمتها بصورة واضحة ودقيقة في دار الإفتاء وعلى امتداد سنة ونصف كانت دار الإفتاء بالتنسيق مع المطرانية المارونية الحاضنة لكل مكونات طرابلس وملتقى لكل الأطراف دون استثناء، هذه الدار أثبتت وما تزال تثبت أنها الناطقة باسم وجدان اهل المدينة، فمن "ادخلوها بسلام آمنين" إلى استقبال كافة الأطراف مرورا بالصلاة التي أقيمت على نية شهداء مبنيي الكردي وصيداوي، هذا الوجدان الحي الناطق يشكل الضمانة الحقيقية لمدينتنا، ويُعَبِّر عن الأكثرية الصامتة من أبنائها الذين يشكلون معا "حلف الأوادم" الصامت، هذا الحلف يعبر عنه كل من المفتي محمد إمام والمطران يوسف سويف وإخوانهم المراجع الروحية المحترمين في المدينة التي تختزن في جدرانها وازقتها وأحيائها أصالة وعراقة تتجاوز ستة آلاف سنة من الحضارة والمدنية.
هذه المدينة لن تعصف بها الهزات الارتدادية في الإقليم، ولن يؤثر في بنيتها المجتمعية الجهل الذي تحركه المصالح الإقليمية، فهي على ثابت واحد "حق أبناء طرابلس بالحياة الكريمة والعزيزة".