تُعد قضية مياه الينابيع في لبنان من أكثر القضايا التي تتداخل فيها أحكام القانون مع التاريخ والعرف. فقبل قيام الدولة اللبنانية بقرون، كانت المجتمعات المحلية قد وضعت أنظمة دقيقة لتوزيع المياه، عُرفت باسم «التبدير»، ونظمت بموجبها حصص المزارعين والأهالي وفق ساعات أو أيام محددة، بما يضمن العدالة والاستقرار ويحول دون النزاعات.
ولم يولد نظام التبدير مع الدولة، بل سبقها بقرون طويلة. فمنذ العصور الفينيقية، ثم الرومانية والبيزنطية، كانت المياه أساس الحياة الزراعية والاقتصادية، وكانت القرى تنظم توزيعها وفق قواعد عرفية راسخة. واستمرت هذه الأعراف خلال العهدين المملوكي والعثماني، ولم تعمل السلطات المتعاقبة على إلغائها، بل اعتمدتها لأنها كانت تحقق الاستقرار وتحفظ الحقوق.
وفي جبل لبنان، حيث كانت الينابيع تشكل المورد الأساسي للزراعة، اكتسب التبدير أهمية خاصة. فوضعت دفاتر تحدد ساعات الري، وأيام الانتفاع، وترتيب المستفيدين، وأصبحت هذه الدفاتر مرجعًا قانونيًا واجتماعيًا تتناقله الأجيال. ولم تعد حصة المياه مجرد امتياز مؤقت، بل ارتبطت بالأرض، وانتقلت مع الملكية بيعًا وإرثًا، فأصبحت جزءًا من القيمة القانونية والاقتصادية للعقار.
وعندما أُعلنت دولة لبنان الكبير عام 1920، ثم الجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال، لم تبدأ الدولة من فراغ، بل ورثت هذا النظام التاريخي. واستمرت الإدارات الرسمية والبلديات في اعتماد دفاتر التبدير، كما تعامل القضاء اللبناني مع كثير من هذه الأعراف باعتبارها حقوقًا مستقرة متى ثبت استمرارها واستقرارها.
من هنا، يطرح السؤال: هل يستطيع وزير الطاقة أن يلغي هذه الحقوق بقرار إداري؟
من حيث المبدأ، الجواب هو: لا.
فالوزير هو سلطة تنفيذية، ومهمته تنفيذ القوانين وإدارة المرفق العام، وليس إنشاء قواعد قانونية تلغي حقوقًا خاصة اكتسبها المواطنون عبر التاريخ. فالقرار الإداري يجب أن يبقى خاضعًا لمبدأ المشروعية، ولا يستطيع الانتقاص من حق ثابت إلا إذا أجاز له القانون ذلك صراحة.
إن نظام التبدير، في العديد من القرى اللبنانية، تجاوز كونه مجرد عرف اجتماعي، وأصبح حقًا مكتسبًا. والحق المكتسب هو الحق الذي دخل بصورة نهائية في الذمة القانونية لصاحبه نتيجة سبب مشروع، فلا يجوز للإدارة أن تجرده منه بإرادتها المنفردة.
ويستند هذا المبدأ إلى أسس دستورية راسخة، أبرزها حماية الملكية الخاصة، واحترام استقرار المراكز القانونية، وخضوع الإدارة للقانون. فالملكية لا تقتصر على الأرض وحدها، بل تشمل أيضًا الحقوق العينية المتصلة بها، ومنها حقوق الانتفاع بالمياه عندما تكون ثابتة ومستقرة منذ زمن طويل.
كما أن قانون المياه اللبناني رقم 77/2018، الذي جاء لتنظيم إدارة الموارد المائية وتحديث القطاع، لم يأتِ ليهدم الحقوق التاريخية للمواطنين. فالقانون يهدف إلى تنظيم الاستعمال المستدام للمياه، وحماية الموارد المائية، وتعزيز دور مؤسسات المياه في الإدارة الحديثة، لكنه لا يمنح الإدارة سلطة مطلقة لإلغاء حقوق عرفية مكتسبة دون سند تشريعي واضح.
بل إن روح القانون تقوم على التوازن بين المصلحة العامة وحماية الحقوق الفردية. فإدارة المياه الحديثة تقتضي منع الهدر، وتنظيم الاستثمار، وضمان العدالة في التوزيع، لكن هذه الأهداف لا تتحقق عبر إلغاء حقوق تاريخية مستقرة، بل من خلال إدماجها ضمن نظام قانوني وإداري حديث يحترم الخصوصيات المحلية. ومن هنا يجب التمييز بين أمرين أساسيين: تنظيم الحق وإلغاء الحق. فمن حق الدولة أن تنظم استعمال المياه، وأن تفرض شروطًا تقنية لمنع الهدر والحفاظ على الثروة المائية، وأن تطور أساليب الإدارة بما ينسجم مع المصلحة العامة. أما إلغاء أصل الحق، أي حرمان أصحاب حصص التبدير من حقوقهم التاريخية، فهو أمر مختلف تمامًا، لأنه يمس حقوقًا خاصة لا يجوز المساس بها إلا بقانون، مع احترام الضمانات الدستورية، وقد يستوجب التعويض إذا ألحق ضررًا بأصحابها. كما أن دفاتر التبدير لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد سجلات عرفية أو إدارية، بل هي وثائق تاريخية وقانونية تثبت كيفية توزيع المياه منذ أجيال، واعتمدتها الإدارات العامة في كثير من المناطق، مما أكسبها قوة قانونية ومعنوية كبيرة، وأسهم في استقرار العلاقات بين الأهالي ومنع النزاعات.
وفي هذا الإطار، يلعب مجلس شورى الدولة دورًا أساسيًا في حماية مبدأ المشروعية. فاجتهادات المجلس استقرت على أن الإدارة لا تستطيع اتخاذ قرارات تمس مراكز قانونية مكتسبة إلا ضمن حدود القانون، وأن أي قرار إداري يصدر مخالفًا للقانون أو متجاوزًا للصلاحيات الممنوحة للإدارة يكون قابلاً للإبطال.
ومن المبادئ التي يكرّسها القضاء الإداري اللبناني في هذا المجال:
- مبدأ المشروعية، الذي يفرض خضوع جميع القرارات الإدارية للقانون.
- مبدأ عدم جواز تجاوز حد السلطة، الذي يمنع الإدارة من استعمال صلاحياتها في غير ما خُصصت له.
- مبدأ حماية الحقوق المكتسبة، الذي يحول دون سلب الأفراد حقوقًا استقرت في ذمتهم القانونية.
- مبدأ احترام الثقة المشروعة، الذي يقتضي ألا تفاجئ الإدارة المواطنين بتغيير جذري في أوضاع استقروا عليها لسنوات طويلة.
وبناءً على هذه المبادئ، إذا صدر قرار إداري يقضي بإلغاء حقوق التبدير دون سند تشريعي واضح، فإنه يكون معرضًا للطعن أمام مجلس شورى الدولة لعدة أسباب، منها تجاوز حد السلطة، ومخالفة القانون، وإساءة استعمال السلطة، والاعتداء على الحقوق المكتسبة، والمسّ بحق الملكية الذي يحميه الدستور.
لقد أثبت التاريخ اللبناني أن الأعراف لم تكن يومًا نقيضًا للقانون، بل كانت في كثير من الأحيان مصدرًا له. فالدولة الحديثة لم تنشأ بإلغاء ما سبقها، بل ببناء مؤسساتها على ما استقر من قواعد عادلة ومنظمة. ولذلك فإن احترام حقوق التبدير ليس دفاعًا عن الماضي، بل هو دفاع عن مبدأ سيادة القانون واستقرار الحقوق، وعن فكرة أن الإدارة، مهما اتسعت صلاحياتها، تبقى خاضعة للقانون، لا أعلى منه.