هناك صورٌ لا تبقى معلقة على الجدران، بل تنزل بهدوء لتسكن أعماق الإنسان؛ وهناك وجوهٌ تمر في حياتنا فننسى ملامحها بعد أيام، وهناك وجوهٌ لا تقول لنا شيئًا، لكنها تغيّر فينا أشياء لا نستطيع تفسيرها. كنت أظن أن الإنسان يتأثر بمن عاش معهم، ثم اكتشفت أن بعض الأشخاص يربّون أرواحنا قبل أن نلتقي بهم، وأن صورةً معلقة على جدار قد تترك في العين والقلب أثرًا لا تتركه آلاف الكلمات.
منذ أن صار للعالم شكلٌ في عينيّ، كانت هناك صورة معلقة قبالة سريري، لم تكن مجرد لوحة دينية تزيّن غرفة نوم طفل، بل كانت حضورًا يوميًا لا يغيب، كنت أنام وعيناي تستريحان عليها، وكان الليل يمتلئ أحيانًا بأصوات القذائف والرصاص، وأستيقظ فأجدها في المكان نفسه، كأنها كانت تسهر عليّ، تحفظ طفولتي، وتحتضن قلبي بصمت، وتنتظر أن أفتح عينيّ لتضيئهما بذلك النور الذي سبق أن عرف قلبي قبل أن يعرفه عقلي..
لم أكن أعرف شيئًا عن اللاهوت، ولا كنت أفهم معنى القداسة، ولم أكن قد قرأت يومًا سيرة قديس أو راهب؛ كنت مجرد طفل، يرى شيخًا وقورًا يلفه ثوب أسود، لكن السواد لم يكن أول ما تقع عليه عيناي؛ كان النور، نورٌ أبيض يشع من وجهه حتى ليبدو أن الملائكة التي تحمله نحو السماء لا ترفعه بقدر ما ترافقه إلى المكان الذي ينتمي إليه، وكأنها تعرف وجهته منذ الأزل، قبل أن يعرفها البشر.
مع السنوات، أدركت أنني لم أكن أتأمل الصورة، بل كانت هي التي تتأملني، لم تكن تراقب طفولتي فقط، بل كانت تهيئ شيئًا في داخلي لم أفهمه إلا بعد زمن طويل ، وربما لم افهمه بعد؛ وتزرع في داخلي أسئلة لم أعرف أنها زُرعت إلا عندما كبرت، كان ذلك الوجه... وجه شربل.
الاسم الذي سكنني
في العماد اعطاني اسمه، وكأنه بعد حضوره في عيون طفولتي، يحضر في ميرون كياني، كبرت وكبر اسم شربل معي، لكن الذي تغيّر لم يكن شربل، بل حضوره الذي صار وجودًا ملموسًا، ألقاه في صلاتي، وفي صمتي، وفي كل منعطف من حياتي.
حين أنظر إلى شربل، لا أتوقف عند شربل، أشعر أنني أنظر من خلاله، كما ننظر من نافذة فلا نتأمل الزجاج، بل ما وراءه، كان شربل شفافًا إلى درجة أن الإنسان لا يرى فيه شربل، بل يرى المسيح الذي ملأه.
وفي مرحلة من حياتي، لبست ثوب رهبنة شربل وإسكيمها، ثم قادتني الحياة إلى طريق آخر؛ لكنني اكتشفت أن الرهبنة ليست مكانًا نغادره، بل حضورًا يسكننا؛ خرجت من الدير، والدير لم يخرج مني؛ ما زالت الرهبنة تعيش في أعماقي، في صمتي، وفي صلاتي، وفي اشتياقي الدائم إلى ذلك الامتلاء بالله الذي رأيته في وجه شربل؛ خلعت الثوب عن كتفي، لكنه بقي يلفّ قلبي؛ ومنذ ذلك الحين، لم يعد شربل بالنسبة إليّ مجرد قديس أتأمله، بل حضورًا أعيش معه، وأعود إليه فيّ، كلما ضاقت بي طرق الحياة؛ ولم يكن حضوره يقودني إليه، بل كان يقودني دائمًا إلى ذاك الذي أحَبّه حتى نسي نفسه تمامًا.
ولأن شربل لم يكن بالنسبة إليّ ذكرى، بل حضورًا حيًا، حمل ابني اسمه؛ لم أمنحه اسم قديس فحسب، بل اسم صديقٍ رافق طفولتي، وسار معي في شبابي؛ أردت أن يرث ابني الاسم، كما ورثت أنا الطمأنينة التي حملها ذلك الوجه منذ طفولتي.
حين يصبح الصمت صوتًا
اعتاد الناس أن يتحدثوا عن الزيت، والشفاءات، والعجائب، والظهورات، لكنني كلما تقدمت في العمر، اكتشفت أن أعظم معجزة في شربل لم تكن تلك التي حدثت بعد موته، بل تلك التي حدثت في حياته.
كيف يستطيع إنسان أن يتخلى عن نفسه إلى هذا الحد؟
كيف يمكن لإنسان أن يختار الامّحاء الكامل في زمن يبحث فيه الجميع عن الظهور؟
كيف يصمت اكثر من أربعين عامًا، ليصبح صوته من أكثر الأصوات التي يسمعها العالم؟
أفسح لله كل المكان
هناك من يظن أن القداسة تُقاس بما يحدث بعد الرحيل، أما أنا فأؤمن أن ما حدث بعد رحيله لم يكن إلا امتدادًا لما عاشه قبل رحيله، لقد تخلّى عن ذاته حتى لم يبقَ فيها إلا يسوع، وهل توجد معجزة أعظم من ذلك؟
كل شيء في شربل يبدو مفارقة؛
صمَتَ... فصار العالم كله يتحدث عنه؛
اختفى... فأصبح حاضرًا في كل مكان؛
عاش في قفر... فأصبح العالم كله بيته؛
ابتعد عن الناس... فأصبح ملجأهم؛
لم يكتب كتابًا... لكنه صار كتابًا يقرأه الملايين؛
لم يسعَ إلى الشهرة... فأصبحت الشهرة تسعى إليه؛
لم يمتلك شيئًا... فصار يملك قلوب الملايين.
كلما تأملت حياته، ازددت اقتناعًا بأن قوانين السماء ليست كقوانين الأرض، نحن نعيش في عالم يقيس الإنسان بما يملك، وبما يحقق، وبما يظهر؛ أما شربل فقد أثبت أن الإنسان قد يغيّر العالم كله وهو حبيس في قلاية لا يزورها الا "يسوع".
لذلك، لم يكن صمته غيابًا عن الحياة، كان حضورًا في عمقها؛ لم يكن الانعزال عنده هروبًا من العالم، بل امتلاءً بالله حتى لم تعد الكلمات قادرة على حمل ما في قلبه.
وحين يمتلئ الإنسان بهذا الشكل، يصبح الصمت لغة، بل يصبح صوتًا هادراً.
لهذا اخترق شربل حدود الزمن والجغرافيا؛ لم يبقَ راهبًا لبنانيًا مارونياً "بلدياً" عاش في دير ناء، بل أصبح رفيقًا لملايين البشر، دون ان يسعَ يومًا إلى أحد.
أكثر ما يجعلني أشعر بقرب شربل، أنه ليس قديسًا جاء من صفحات التاريخ البعيد، ولم يأتِ من أسطورة، لم يعش في زمن الرسل، ولم يولد في أرض لا أعرفها، لقد عاش هنا، في هذا الوطن الصغير، مشى على ترابه، تأمّل ارزه، تنفس هواءه، تكلم لغته، وأكل من خبز وكرمة وكرم هذه الأرض. لذلك...لم تعد القداسة بالنسبة إليّ احتمالًا بعيدًا، بل إمكانية إنسانية.
أؤمن أن سرّ شربل لم يكن في يديه، بل في قلبه، لقد أفسح لله مكانًا كاملًا في داخله، حتى لم يبقَ "للأنا" ما تحتله، وحين ينسحب الإنسان من مركز حياته، يتقدّم الله، عندها، لا يعود السؤال: كيف حدثت المعجزة؟ بل كيف لا تحدث، إذا كان الله هو الساكن في قلبٍ سلّم نفسه له دون قيد أو شرط؟
لم يقضِ شربل حياته يبحث عن يسوع فحسب، بل قضاها يفسح له المكان، كان يتراجع كل يوم خطوة، حتى يتقدّم الله خطوة، وظلّ يتراجع... ويتراجع... إلى أن لم يبقَ في داخله إلا يسوع. ومنذ ذلك الحين، صار حضوره يترك في القلوب أثرًا لا يتركه إلا الله.
حيث بدأ الطفل
كان شربل يقول لي، بصمته قبل أي كلمة: إن السماء ليست بعيدة كما نظن، وإن الإنسان، كل ما كان بسيطًا، يستطيع أن يجعل من حياته طريقًا إليها.
ولهذا أيضًا، لم يعد شربل بالنسبة إليّ مجرد قديس أصنع له مكانًا في ذاكرتي، لقد صار جزءًا من تكويني، صار حاضرًا في الطريقة التي أفهم بها الإيمان، وفي الطريقة التي أفهم بها معنى أن يعيش الإنسان لله دون أن ينتظر شيئًا من الناس.
كلما ازداد العالم ضجيجًا، عدت إلى ذلك الوجه الهادئ، وكلما رأيت الناس يتسابقون ليُسمَعوا، تذكرت رجلًا لم يكن يريد أن يسمعه أحد، فإذا بالعالم كله ينصت إليه.
وكلما شعرت أن الإنسان يضيع وسط هذا الصخب، تذكرت أن أعمق الأصوات قد تولد من أكثر الأماكن صمتًا.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، ما زلت أعود إلى تلك الصورة، لكنني لم أعد أراها كما كان يراها ذلك الطفل، فالطفل كان يرى وجهًا مضيئًا؛ أما الرجل، فيرى حياةً كاملة تقول إن الإنسان لا يصبح عظيمًا عندما يملأ الدنيا بنفسه، بل عندما يفسح فيها مكانًا لله.
وربما لهذا السبب، كلما سألني أحدهم: من هو القديس شربل؟
لا اتحدث عن الأعاجيب، ولا عن الشفاءات، ولا عن الملايين الذين قصدوا ضريحه، أقول ببساطة: إنه الوجه الذي كان يراقب طفولتي...ثم اكتشفت، بعد عمرٍ كامل، أنه لم يكن يراقب طفولتي فقط، بل كان يقود حياتي بصمته، وما زال حاضرأً في كل تفصيل من ثواني حياتي...
وهكذا فهمت أخيرًا أن أعظم الأصوات ليست تلك التي ترتفع ضمن ضجيج العالم، بل تلك التي تولد في قلب إنسانٍ اختار أن يصمت، ليسمع الله وحده.
كثيرون يدرسون يسوع في كتب التاريخ.
وآخرون يناقشونه في الفلسفة.
وغيرهم يبحثون عنه في علم الآثار.
أما أنا...
فقد رأيت أحد براهينه في راهب لبناني اسمه شربل.
لأن الإنسان لا يستطيع أن يصبح بهذا القدر من النور...
إلا إذا كان النور الذي تبعه حقيقيًا.
لذلك، كلما نظرت إلى شربل، لم أكن أرى شربل وحده.
كنت أرى المسيح الذي صنع من إنسان بسيط نافذةً يطل منها الله على العالم.
ربما لهذا السبب، كلما سألت نفسي من هو شربل، كان الجواب يأتي دائمًا مختلفًا.
شربل ليس رجلًا يصنع المعجزات، شربل...هو المعجزة.
واليوم... وكلما عدت إلى طفولتي، أبحث بداخلي أولًا عن ذلك الوجه، لا لأتأكد أن الصورة ما زالت هناك...
بل لأتأكد أن ذلك الطفل...ما زال ينظر إليها بالطريقة نفسها، وما زال ذلك الوجه يراقب طفولتي، حتى بعد أن شاب العمر.