جويل غسطين

العنف الأسري ضدّ الرجل في "أمان ترللي"

5 دقائق للقراءة

في خطوة تكسر واحدة من الصور النمطية وتفتح باب النقاش حول قضية غالبًا ما تُهمَّش، تعود الكاتبة والمخرجة مايا سعَيد إلى خشبة المسرح في عمل جديد بعنوان "أمان ترللي"، وفيه تُسلّط الضوء على العنف الذي قد يتعرّض له الرجل، ضمن مقاربة إنسانية واجتماعية تدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الضحية بعيدًا عن الأحكام المسبقة. بدأت عروض المسرحية في 22 تموز الجاري ضمن المساحة الفنية "District 7" في الصيفي، بيروت. وهي من بطولة الممثلَين طارق تميم وسامي حمدان، وتطرح، بأسلوب مسرحي يجمع بين الدراما والكوميديا، أسئلة جريئة حول العلاقات الإنسانية، في محاولة للاقتراب من أحد أكثر التابوهات الاجتماعية تجاهلا.


تندرج مسرحية "أمان ترللي" ضمن النهج الذي تعتمده مايا سعَيد في أعمالها المسرحية، والقائم على تسليط الضوء على قضايا إنسانية واجتماعية موجودة في الواقع، لكنها لا تحظى بالقدر الكافي من النقاش. وتؤكد، في حديثها مع "نداء الوطن"، أنّها لا تنطلق من فكرة توجيه رسائل مباشرة بقدر ما تسعى إلى طرح موضوعات تدفع المشاهد إلى مراجعة أحكامه المسبقة والنظر إلى الأمور من زوايا مختلفة، لافتةً إلى أنّ أحداث المسرحية قد تشبه ما يحدث في كثير من البيوت، وإن بقيت طيّ الكتمان.

وعن اختيار بطلَي العمل، توضّح سعَيد أنّها اعتادت اختيار الممثلين أولا، ثم بناء الفكرة بما يتناسب مع قدراتهم. هنا تصف تعاونها المتجدّد مع الممثل طارق تميم بأنّه امتداد لشراكة فنية ناجحة، معتبرةً أنّه من أبرز ممثلي المسرح القادرين على الانتقال بسلاسة بين الإضحاك والتأثير العاطفي. كما تشيد بقدرات الممثل سامي حمدان، الذي سبق أن جمعه بها مسلسل "زفّة" عام 2013، مؤكدةً أنّ تعدّد مواهبه شكّل عنصرًا أساسيًا في نجاح هذا العرض. وتضيف أنّ الصداقة المتينة التي تجمعها بتميم وحمدان انعكست إيجابًا على أجواء المسرحية، التي وضع الفنان يوري مرقدي لمساته الموسيقية على مشاهدها. وترى سعَيد أنّ موسيقى مرقدي أضافت بُعدًا خاصًا إلى العمل، وأسهمت في إبراز نفسية شخصيّتَيها بأسلوب طريف ومؤثر.


كسر الصورة النمطية

من جهته، يؤكد الممثل طارق تميم لـ "نداء الوطن" أنّ تعاونه الجديد مع الكاتبة والمخرجة مايا سعَيد نابع من إيمانه بأسلوبها في الكتابة، واصفًا العمل معها بأنّه "متعة"، لأنها تطرح قضايا اجتماعية وإنسانية بجرأة ومن دون مسايرة أو شعارات مباشرة. وإذ يشير إلى انسجام فني كبير بينهما انعكس في أكثر من عمل، يعرب عن أمله في استمرار هذا التعاون في المستقبل.

نسأل تميم عن الشخصية التي يجسّدها في "أمان ترللي"، فيجيب بأنّه يقدّم شخصية تمثّل السلطة، لكنها تخفي خلف صورتها الظاهرة سجنًا داخليًا، في إشارة إلى القيود التي قد يصنعها الإنسان لنفسه. ويلفت إلى أنّ المسرحية تتناول قضية العنف الأسري ضدّ الرجل، مؤكدًا أنّ التعنيف لا يقتصر على العنف الجسدي، بل قد يتمثّل أيضًا في الكلمة وسوء المعاملة والضغوط النفسية التي تترك آثارًا عميقة. ويرى تميم أنّ العمل يدعو الجمهور إلى إدراك أنّ الرجل قد يكون هو الآخر ضحيةً للعنف، وإلى إعادة النظر في الأحكام المسبقة التي تحيط بهذه القضية، وكلّ ذلك من غير أن يفقد العمل روحه الكوميدية والإنسانية التي تجعل المشاهد يعيش التجربة ويتفاعل معها.


السجن أرحم من الحياة

الممثل سامي حمدان يكشف بدوره بعض ملامح الشخصية التي يجسّدها في المسرحية، من دون الإفصاح عن تفاصيلها الأساسية، موضحًا أنّها تعود إلى رجل يجد نفسه مضطرًا إلى الاتصال بالبلدية للإبلاغ عن نفسه كي يجري توقيفه. ومع توالي الاتصالات، تتطوّر العلاقة بينه وبين شرطيّ البلدية الذي يحضر للتحقق من القضية، فتنشأ بينهما صداقة تكشف تدريجيًا جوانب خفية من حياته، أبرزها اضطراره إلى قمع موهبته الفنية حفاظًا على زواجه.

وعن تعاونه مع الكاتبة والمخرجة مايا سعَيد والممثل طارق تميم، يقول حمدان لـ"نداء الوطن" إنّ الصداقة القديمة التي تجمعهم شكّلت عاملا إيجابيًا في العمل، مشيرًا إلى أنّ متانة العلاقة بينهم سمحت بالفصل بين الصداقة والمهنية، وهو ما انعكس في انسجام واضح على خشبة المسرح.


بصمة موسيقية

في "أمان ترللي"، يحضر الفنان يوري مرقدي من خلال بصمته الموسيقية، إذ تولّى تأليف الأغنية والموسيقى اللتَين ترافقان أحداث المسرحية، مضيفًا بُعدًا فنيًا يعزّز أجواء العمل ويواكب تطوّر شخصيّتَيها. وفي حديثه مع "نداء الوطن"، يصف مرقدي تجربته مع الكاتبة مايا سعَيد بأنّها "رائعة"، مشيرًا إلى أنّ الصداقة التي تجمعهما والانسجام الفكري والفني بينهما ساهما في ولادة تعاون سلس ومثمر. ويؤكد مرقدي أنّ الأغنية التي وضعها لتُقدَّم ضمن أحداث المسرحية هي جزء من السرد الدرامي، وتضفي على العمل لمسة موسيقية تعبّر عن روحه الإنسانية وتُكمل رسالته الفنية.

إذًا، لا تكتفي مسرحية "أمان ترللي" بتقديم حكاية، بل تفتح نافذة على قضية اجتماعية غالبًا ما تُطوى خلف الأبواب المغلقة، لتدعو الجمهور إلى إعادة النظر في مفاهيم الضحية والعنف بعيدًا عن الأحكام المعلّبة. ومع ممثلَين يجمعهما الانسجام الفني والإنساني، يشكّل العرض تجربةً تمزج بين المتعة والتأمل، ليؤكد مجدّدًا قدرة المسرح على ملامسة الواقع وطرح الأسئلة التي يفضّل المجتمع أحيانًا تجاهلها.