في كل حرب تنتهي على أرض الجنوب، يبدأ المشهد نفسه: لجان لحصر الأضرار، ووعود بالتعويضات، وصناديق لإعادة الإعمار، فيما يغيب السؤال الأساسي: لماذا بقي الجنوب، بعد أكثر من نصف قرن، يعيش الدورة نفسها من الدمار والتعويض وإعادة البناء؟
الحرب الأخيرة، التي حوّلت عشرات القرى الجنوبية إلى ركام في سياق المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية التي دارت على الأرض اللبنانية، أعادت هذا السؤال إلى الواجهة. فبعد كل ما أُنفق على الجنوب من أموال الدولة، وموازنات مجلس الجنوب، وصناديق إعادة الإعمار، والمساعدات العربية والدولية، والتمويل الإيراني، لماذا بقيت المنطقة تفتقر إلى اقتصاد منتج قادر على تثبيت سكانها في أرضهم، بعيدًا من اقتصاد الحروب؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى عام 1970، يوم وُلد مجلس الجنوب. كثيرون يعتقدون أن المجلس أنشئ ليكون مؤسسة للتعويضات، لكن الحقيقة التاريخية مختلفة تمامًا. فالفكرة التي حملها وزير التصميم الراحل الشيخ موريس الجميل لم تكن إنشاء صندوق يدفع بدلات للمتضررين، بل إقامة مشروع وطني لحماية الحدود عبر التنمية. ولفهم هذه الرؤية، يجب أولا فهم صاحبها.
لم يكن موريس الجميل سياسيًّا تقليديًّا، بل أحد أوائل دعاة التخطيط العلمي في لبنان. فمنذ خمسينيات القرن الماضي طالب بإنشاء وزارة للتصميم، في وقت كانت الدولة اللبنانية تُدار بمنطق التسويات السياسية أكثر مما تُدار بمنطق التخطيط. وكان يعتبر أن الدولة التي لا تخطط لمستقبلها ستبقى أسيرة إدارة الأزمات.
لذلك لم يطرح مشاريع متفرقة، بل رؤية متكاملة للبنان. وضع تصاميم لشبكات النقل والأنفاق التي تربط الساحل بالبقاع، ودعا إلى التخطيط الشامل للمياه، وإلى تطوير الزراعة والصناعة والسياحة، وإلى اعتماد اللامركزية الإنمائية حتى لا تبقى العاصمة مركز الثروة الوحيد. وكان يرى أن كل قضاء يجب أن يمتلك مقومات اقتصاده الخاص، وأن التنمية ليست خدمة اجتماعية، بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني. هذه الفلسفة هي التي أنجبت فكرة مجلس الجنوب.
في أواخر ستينيات القرن الماضي، بدأت المنظمات الفلسطينية المسلحة توسّع حضورها في الجنوب، وكانت تستقطب بعض الشباب عبر الرواتب والمساعدات. لم يكن جواب موريس الجميل أمنيًا فقط، بل إنمائيًا أيضًا. فقد اعتبر أن الدولة تستطيع حماية حدودها عندما تحمي إنسانها، وأن أفضل وسيلة لمواجهة نفوذ وواقع التنظيمات المسلحة هي خلق فرص عمل، وإقامة مناطق صناعية وزراعية، وتشجيع الاستثمار في القرى الحدودية، حتى يصبح البقاء في الأرض خيارًا اقتصاديًا مجديًا لا مجرد موقف وطني.
كان يؤمن بأن المواطن الذي يعمل في مصنع أو يزرع أرضه أو يدير مشروعًا منتجًا، سيكون أكثر تمسكًا بقريته، وأقل عرضة للهجرة أو الارتهان لأي قوة خارج الدولة.
لكن وفاة موريس الجميل بعد أشهر قليلة من إنشاء المجلس أنهت المشروع قبل أن يرى النور.
ثم جاءت سنوات الحرب وأحداث السادس من شباط 1984، التي كرّست ميزان قوى جديدًا داخل الدولة اللبنانية، حيث تراجعت سلطة المؤسسات لمصلحة منطق السلاح والأمر الواقع. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الجنوب يُدار وفق فلسفة التنمية التي أرادها موريس الجميل، بل وفق فلسفة مختلفة تمامًا.
تحوّل مجلس الجنوب تدريجيًا من مؤسسة تخطط لمنع أسباب النزوح إلى مؤسسة تعالج نتائجه. وبدلا من الاستثمار في الاقتصاد المنتج، أصبح همه الأساسي دفع التعويضات عن المنازل المهدمة، وتمويل إعادة الإعمار بعد كل مواجهة للاستغلال السياسي الضيق وتكريس غياب الدولة.
ومع صعود "حزب الله"، واندماج التمويل الإيراني مع أموال إعادة الإعمار وموازنات الدولة، ترسّخ نموذج اقتصادي جديد، يقوم على دورة لا تنتهي: حرب، ثم دمار، ثم تعويضات، ثم إعادة إعمار، ثم حرب جديدة. وبات الجنوب يعيش على اقتصاد الأزمات أكثر مما يعيش على اقتصاد الإنتاج.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فخلال أكثر من خمسة عقود، صُرفت على الجنوب مليارات الدولارات من مصادر مختلفة، لكن القليل منها ذهب إلى إنشاء قاعدة اقتصادية قادرة على الصمود. لم تُنشأ مناطق صناعية حقيقية، ولم تُبنَ منظومة إنتاج زراعي حديثة، ولم يتحول الجنوب إلى قطب اقتصادي كما أراده موريس الجميل، بل بقي في معظم الأحيان ينتظر التعويضات بعد كل حرب.
واليوم، بعد الدمار الهائل الذي أصاب القرى الجنوبية، يتكرر المشهد نفسه. الجميع يناقش حجم التعويضات، ومصادر التمويل، وآليات إعادة الإعمار، فيما يغيب النقاش حول السؤال الأهم: هل سنعيد بناء الجنوب كما كان، أم سنعيد إنتاج النموذج نفسه الذي جعله ساحة دائمة للحروب؟