جوزيف بوهيا

من الهدنة إلى الدولة

دقيقتان للقراءة

لم تعد القضية اليوم مجرد تثبيت وقف لإطلاق النار، ولا مجرد استكمال انسحاب إسرائيلي، بل الانتقال بلبنان من إدارة الأزمات إلى إنهاء أسبابها. وهذا ما يجعل الحديث عن "مسار واشنطن" أكثر من توصيف سياسي؛ إنه رؤية لإخراج لبنان من الحلقة المفرغة التي عاشها لعقود، حيث كانت كل هدنة مقدمة لحرب جديدة، وكل تسوية محطة مؤقتة قبل مواجهة جديدة.

وقد أصاب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع حين ميّز بين وقف إطلاق النار كخطوة تقنية، وبين معالجة جذور الأزمة كهدف استراتيجي، معتبراً أن القمة التي جمعت الرئيس جوزاف عون بالرئيس الأميركي كرّست بصورة نهائية استقلالية الملف اللبناني عن أي مسار إقليمي آخر. وما يترتب على هذا التمييز يتجاوز حدود التوصيف السياسي؛ فإذا كان الملف اللبناني قد بات فعلاً مستقلاً بذاته، فإن أي محاولة لإعادة إدراجه في تفاهمات إقليمية متبدلة لن تكون عودة إلى السياسة السابقة، بل تراجعاً عن مسار سيادي بدأ يتكرس، ويضع مصلحة لبنان فوق حسابات الصراعات المحيطة به.

أما جوهر هذا التحول، فليس في الاتفاقات الأمنية وحدها، بل في استعادة الدولة لوظيفتها الطبيعية. فلا استقرار يدوم إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية، ولا سيادة تكتمل إذا ظل الجنوب يعيش على إيقاع موازين القوى بدل سلطة القانون. لم تكن مشكلة لبنان يوماً غياب وقف إطلاق النار، بل غياب الدولة القادرة على فرضه وحمايته وضمان ألّا يُنقض.

بناء الدولة، بهذا المعنى، ليس شعاراً سياسياً، بل مشروعاً متكاملاً: جيش واحد يحمي الحدود لا فصيلاً يخوض معاركه الخاصة، وسلطة واحدة تحتكر قرار الحرب والسلم لا مرجعيات متعددة تتقاسمه، ومرجعية وطنية واحدة تُترجم إرادة اللبنانيين عبر المؤسسات لا عبر ساحات المواجهة. فالدولة لا تُبنى عندما تنتصر على طرف، بل عندما تصبح المرجعية الوحيدة لجميع الأطراف. وعندها فقط يتحول الاستقرار من هدنة قابلة للانهيار إلى نظام سياسي مستدام، لا يحتاج في كل أزمة إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.