عام 2014، أعلن الفاتيكان قداسةَ البابا يوحنا بولس الثاني. ست سنوات فصلت بين موته وتطويبه، ثم جاء إعلان القداسة بعد ثلاث. مسافة زمنية قياسية لرجل كانت حبريته الأطول في التاريخ المعروف للباباوات. ومما لا شك فيه أن السياسة لعبت دورًا خلف الستارة في تطويب "رجل الحرية" الذي ناهض الشيوعية ومنظومة الاتحاد السوفياتي، وتكرّس رسولا للإيمان والحرية وكرامة الشعوب. وهذا ما يجب أن يكون، لأن الكنيسة ليست على هامش التاريخ، بل في صميمه.
ولعب العنوان السياسي في "لبنان الكبير" دورًا بارزًا في تطويب الحويك، ولكن ببطء شديد، إذ كان يجب الانتظار 95 سنة بعد موته ليُكرَّس طوباويًا، إثر معجزة حصلت قبل 61 سنة. والمعجزة بحد ذاتها حفلت بالدلالات. فهي حلّت على جندي درزي خدم في جيش لبنان، ونال المعجزة بشفاعة بطريرك ماروني. ولكن حتى من تشملهم المعجزات، في النهاية، مائتون، أفرادًا كانوا أم كيانات. وبدا واضحًا أن استلحاق التطويب، بعد هذا الزمن الطويل، أملته ضرورات إنعاش "لبنان الكبير" المصاب بطعنات متتالية منذ مشهد درج قصر الصنوبر. ولا يمكن فصل الأزمة الوطنية التي يعيشها المسيحيون عن اندفاع الكنيسة نحو تطويبات لها أبعاد سياسية، من الدويهي، "أبي التاريخ الماروني"، إلى الحويك، إلى يوم تتجه فيه الأنظار إلى إهدن، بعدما علمنا بأن ملف قبول دعوى تطويب "المحارب" يوسف كرم سلك "بسرعة". وسيكون من المثير للاهتمام أن يخرج إلى العلن، في سياق مسار تطويب كرم، خلافه الكبير مع البطريرك بولس مسعد. ومن غير المستبعد أن يرد قريبًا في هذا المسار اسم البطريرك صفير. ولكن لا يمكن الاتكال فقط على شفاعة الأبرار للخروج بحلول مبتكرة، وقد قيل قديمًا: "يساعد الله من يساعدون أنفسهم".
بقرار من الحويك، ذابت "المتصرفية" التي نعمت بخمسين سنة من الاستقرار والرخاء. ثم، مع إقرار دستور 1926، رزح لبنان تحت خمسين سنة من الاهتزازات العنيفة، وصولا إلى الانفجار الكبير عام 1975. عرض الفرنسيون، في وقت من الأوقات، صيغة فدرالية، ولفترة، طبّقوا في سوريا ما هو أكثر من فدرالية، ولكن في لبنان جاء الرفض مسيحيًا.
لا يُلام الحويك، وهناك من يلومه، على سعيه إلى تكبير لبنان. لقد اجتهد، بحسن نية، معتبرًا أن مصلحة المسيحيين تقتضي ذلك، وأن الاتجاهات الدولية وقوة الغرب الوافد إلى المشرق ستتكفلان بإحداث تغيير كبير في مجرى التاريخ بعد نضال دام أكثر من 12 قرنًا. خاب رجاء الحويك والنخب المسيحية التي ذهبت هذا المذهب، ومع إقرار دستور 1926، وبعد نحو 20 سنة، بدا جليًا للزعماء المسيحيين أن قبول المسلمين بصيغة 43 مرحلي. البطريرك عريضة، خلف الحويك والوحيد الذي حمل اسم أنطون، حاول جاهدًا تصويب الهفوات، إلى درجة معارضته "إحصاء 32" الذي جاء، برأيه، على حساب عدد السكان المسيحيين، ولكن من دون طائل. وعشنا، ولا نزال، في مرحلة دفن الرؤوس في الرمال، خصوصًا مع وهم نظرية "دستوري" و"كتلوي"، والتغني بأن التيارين يضمان أفرادًا من كل الطوائف.
لقد تمزقت الصورة وبقي إطارها. إطار مربعه 10452 كيلومترًا. وليس من المصادفة أن الخيار الأقوى اليوم، والمطروح بديلا من دستور 1926 وتعديلاته حتى عام 1990، هو الفدرالية. تحتل الفدرالية ساحة الإعلام والنقاش، متقدمة على العلمنة وإلغاء الطائفية السياسية، وعلى بدعة "الدولة المدنية" التي لا يطرحها إلا الجاهل أو الخبيث، أو حامل الصفتين. ويُضاف إليهم من يصارعون من أجل بقائهم ويربطونه ببقاء هذا النظام. ومن نظرياتهم الملغومة وقوفهم إلى جانب المسلمين إذا شعروا بالغبن، وإلى جانب المسيحيين إذا أصيبوا بالإحباط والقهر. إنهم كرقّاص الساعة، ومن سمات رقّاص الساعة التمايل، لا الشعور بوطأة التاريخ.
مئة سنة انتظار لإعادة الاعتبار للفدرالية التي اقترحها الانتداب الفرنسي، ثم تغاضى عنها. كانت فدرالية المقترح الفرنسي تضم لبنان إلى "فدرالية المناطق السورية"، لذا كان من الطبيعي أن يرفض الحويك الذوبان الكبير، مستعيضًا عن ذلك بآمال تذويب المدن الساحلية في "لبنانه". وللعلم، لم يكن البطريرك بولس مسعد راضيًا عن حدود "متصرفية 1861"، وكان يريدها أوسع.
بقي وادي النصارى السوري، وهو على مسافة نصف ساعة من عكار، خارج الترسيم الجديد، رغم أن إميل إده وقسمًا يُعتد به من السكان الأرثوذكس طالبوا بالانضمام إلى "لبنان الكبير". ولم يمنع ذلك، في مراحل سابقة ولاحقة على عام 1920، حفاوة الترحيب الكبيرة بأرمن وأرثوذكس وموارنة، وحتى بولنديين ويونانيين، وفدوا هربًا من المجازر والاضطهادات في تركيا وسوريا وكيليكيا. لقد سادت نظرية تعزيز الكثافة السكانية على حساب توسيع الجغرافيا المسيحية نحو وادي النصارى. وفي عام 1994، انقلب سحر الكثافة مع مرسوم التجنيس السيئ الذكر. وعلى ذكر سوريا، لدينا ثلاثة قديسين موارنة هم الإخوة المسابكيون، استشهدوا داخل دير في دمشق في مجازر 1860، وهم بحق شهداء النضال للوصول إلى "المتصرفية". كان المسابكيون علمانيين، أي لم يكونوا من الإكليروس، والخلفية السياسية في استشهادهم وتقديسهم لا تحتاج إلى عناء كبير. وبحسب علمي، لا توجد لهم كنيسة إلا في دمشق، وهي عبارة عن شقة حوّلها موارنة الرعية هناك إلى كنيسة. سابقة أن يصبح أناس عاديون قديسين تستوجب اهتمامًا أكبر، لكن الأضواء تتجه إلى آخرين.
ذكر لي المؤرخ جورج مصروعة هذه الواقعة: في مؤتمر الصلح عام 1919، وأثناء رسم الخريطة، شطح قلم كليمنصو، فأصبحت دمشق ضمن "لبنان الكبير". اعترض عضو الوفد اللبناني إميل إده، فتساءل كليمنصو: "ولتكن دمشق ضمن "لبنان الكبير"، ما المشكلة؟" فأجاب إده: "نريد بيروت بدلا منها". وللعلم أيضًا، كان هناك، أثناء مفاوضات ولادة "لبنان الكبير"، من طالب بتوسيع الحدود جنوبًا حتى بحيرة الحولة، وشمالا حتى بحيرة حمص.
في تلك الأيام أيضًا، كان هناك من طرح أن تكون العاصمة في بيت الدين أو زحلة أو بعبدا. وليس تفصيلا أن الرؤساء الموارنة، بعد "ثورة 58"، هجروا بيروت، وتنقّل القصر الجمهوري بين جونية، وسن الفيل لفترة وجيزة، ثم بعبدا. واستقر المقر الصيفي في بيت الدين. لم يهنأ القصر الماروني بعيدًا من عرين "المتصرفية".
بالعودة إلى الحويك، في تلك الأيام، وقف في منتصف المسافة بين من كان على يمينه ومن كان على يساره. حتى شقيقه سعدالله الحويك، عضو مجلس الإدارة في المتصرفية، كان عربي الهوى، ومال إلى ترتيب الأوضاع مع مملكة فيصل العربية، على حساب معاهدة مع فرنسا، ما اقتضى، مرة، أن تعتقله سلطات الانتداب، بعد عودته من "جولة حوار مع السوريين". وكان ذلك في تموز السابق لإعلان الجنرال غورو في أيلول. ربما يكون من غير المستحب أن يأتي أحد على ذكر سعدالله الحويك في هذه الأجواء الاحتفالية. ما نطمح إليه هو معجزة في الوعي الوطني والصدق مع الذات، بدلًا من التكاذب. يُعتبر ميشال شيحا من عرّابي هذا النظام أو هذه الصيغة، إلى حد قوله إن المتصرفية كانت تمتلك الحرية، ولكن ليس لديها مقومات الحياة. لقد بيع التاريخ والحاضر والمستقبل بسعر الخبز. وفي معرض العلاقة مع المسلمين، قال ميشال شيحا نفسه، نقلا عن الرئيس شارل حلو، في اجتماع ضمهما بحضور الشيخ بيار الجميل: "علينا أن نعيش وإياهم دومًا بموجب سوء تفاهم مُرتضى".
في الخلاصة، لا ضير في أن تكون السياسة من ممرات القداسة، وعسى أن تقتنع بكركي أيضًا بأن السياسة تحتمل المراجعات، لأنها ليست "مقدسة".