في لحظة تحمل الكثير من الرمزية التاريخية، يأتي تطويب البطريرك إلياس الحويك، مؤسس لبنان الكبير، بعد تطويب البطريرك اسطفان الدويهي، حامي الذاكرة المارونية ومرسّخ هويتها؛ وكأن هذا المسار الروحي يعيد طرح مسيرة عمرها قرون: من الحفاظ على وجود جماعة مهددة في محيط مضطرب، إلى محاولة بناء وطن عصري يتجاوز الجماعات نحو دولة حضارية جامعة.
لقد عاش الموارنة، عبر مراحل طويلة من التاريخ، ظروفاً صعبة جعلتهم يتمسكون بالجبال والوديان كمساحات للحرية والحفاظ على الإيمان والهوية. وفي هذا السياق برز المكرم البطريرك اسطفان الدويهي، العالم والمؤرخ والمنظم، الذي لم يكتفِ بحفظ التراث، بل أسهم في بناء وعي جماعي متماسك من خلال توثيق التاريخ، وتنظيم الحياة الكنسية، وترسيخ ثقافة العلم والمعرفة.
وبفضل جهوده، انتقلت الجماعة المارونية من مجموعات متناثرة تكافح من أجل البقاء إلى جماعة تمتلك ذاكرة تاريخية ومؤسسات وهوية ثقافية واضحة. وقد أثارت هذه التجربة اهتمام الباحثين في الشرق والغرب، حتى أصبح يُستشهد في بعض الأوساط الأوروبية بعبارة «عالِمٌ كالماروني» للدلالة على ارتباط هذه الجماعة بالعلم والثقافة وحفظ المعرفة.
لكنّ الحويك أدرك أنّ الحفاظ على الجماعة، مهما كان ضرورياً، لا يكفي لبناء المستقبل؛ فالقرن العشرون كان يتطلب الانتقال من منطق الجماعة الدينية إلى منطق الدولة الوطنية، ومن الدفاع عن الوجود إلى صناعة الوطن. لذلك حمل مشروعاً طموحاً ومتطوراً؛ فلم يكن يريد لبناناً للموارنة فحسب، بل دولة تقوم على الشراكة والتسامح، بحيث يكون التنوع مصدر غنى وتقدم وانفتاح. ولهذا الغرض، عمل الحويك على تحديد الحدود الجغرافية للوطن، تاركاً لأبنائه حرية التفاعل فيما بينهم لبناء عقد الاجتماعيّ يؤسس لنظام سياسي متطور.
لكن المفارقة التاريخية أن مؤسس لبنان الكبير نفسه شعر، بعد 10 سنوات من قيام الدولة، بأن المشروع الذي حلم به يواجه صعوبات عميقة. ففي رسالته الشهيرة «محبة الوطن»، عبّر عن قلقه من تغلّب المصالح الخاصة والانقسامات السياسية على المصلحة الوطنية، محذراً من أن الدولة قد تفقد معناها إذا لم يرتقِ أبناؤها إلى مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم.
لم تكن رسالة الحويك تراجعاً عن فكرة لبنان الكبير، بل كانت دفاعاً عنها؛ فقد أدرك مبكراً أن بناء الدولة أصعب من إعلانها، وأن التحدي الحقيقي ليس إنشاء الكيان، بل بناء الإنسان الذي يؤمن به.
بعد أكثر من مئة عام على إعلان لبنان الكبير، تبدو الأزمة اللبنانية الأساسية أزمة انتماء وطني قبل أن تكون أزمة سياسية أو اقتصادية.
فلا تزال شرائح واسعة من المجتمع تنظر إلى حاضرها من خلال ذاكرات تاريخية وموروثات دينية وثقافية تشكلت قبل قيام الدولة الحديثة. ولا تزال بعض الولاءات ترتبط بمشاريع تتجاوز الحدود اللبنانية، سواء كانت دينية أو قومية أو إقليمية، ما يجعل الانتماء الوطني ضعيفاً وتغلب عليه انتماءات أخرى بدلاً من أن يكون الإطار الجامع لها.
لم يكن هذا التعثر مسؤولية فريق واحد؛ فالبيئة المارونية نفسها، التي أنجبت مشروع الحويك، لم تتمكن من الحفاظ على روحه؛ إذ أدت الهجرة الكثيفة إلى تغيير كبير في حضورها داخل الوطن، كما أن ضعف الاستراتيجية الفكرية وانشغال النخب السياسية بالصراع على السلطة والمواقع والمصالح أضعفا التركيز على بناء الدولة والمؤسسات.
في المقابل، لم تنجح المكوّنات اللبنانية الأخرى في التحرر من منطق الجماعة الدينية والامتدادات التاريخية، فبقيت فكرة الوطن لديها ضعيفة أمام انتماءات أوسع مرتبطة بالدين والتاريخ والجغرافيا السياسية.
وهنا تكمن المأساة اللبنانية الكبرى: لقد نجح لبنان في تأسيس كيان سياسي، لكنه لم ينجح في إنتاج مواطن يشعر بأن الدولة هي هويته الأولى.
إنّ تطويب البطريرك الحويك حدثٌ دينيّ وروحانيّ مرتبطٌ بمسيرته الإيمانية العميقة، لكنّه في الوقت ذاته مناسبة لإعادة قراءة مشروعه بفكرٍ منفتح وعصريّ؛ فهو لم يدعُ إلى إلغاء الخصوصيات الحضارية، بل إلى وضعها داخل إطار وطنيّ جامع، ولم يطلب من اللبنانيين التخلي عن ذاكرتهم، بل أن يجعلوا مستقبلهم مشتركاً. لقد أرسى أسس الجغرافيا، وترك لهم حرية بناء نظام عصريّ لإدارة البلاد
لذلك، فإنّ السؤال الحقيقيّ: هل سيفهم اللبنانيون أخيراً قيمة الهدية التي أهداها لهم الطوباويّ، وينجحون في بناء نظام سياسيّ يجسّد لبنان الذي حلم به الحويك؟
لقد حفظ الدويهي ذاكرة جماعة دينية، بينما حاول الحويك بناء ذاكرة وطن. وبين المُكرَّمَيْن مسافة تاريخية تختصر رحلة لبنان كلّها: الانتقال من حماية الوجود إلى صناعة الوطن.
وإذا كان البطريرك الحويك قد أسّس "لبنان الكبير"، فإنّ بقاء هذا الوطن ستحدّده اليوم قدرة اللبنانيين على جعله وطنهم النهائيّ، وانتماءهم الأوّل.