جاد حداد

Adú... طرح ذكي للهجرة غير الشرعية

5 دقائق للقراءة

يتناول فيلم Adú للمخرج سالفادور كالفو ثلاث قصص مترابطة بدرجة بسيطة وتدور أحداثها في أفريقيا. في القصة الأولى، يتواجد ضابط من الحرس المدني (ألفارو سرفانتس) في "ميليلا"، وهي واحدة من أرضَين إسبانيتَين في أفريقيا. تغطّي هذه المنطقة مساحة 5 أميال مربّعة على الساحل المتاخم للمغرب، ولطالما كانت بؤرة أساسية للهجرة نحو أوروبا من أفريقيا، وهي محاطة بسياج "ميليلا" الحدودي.

يبدأ الفيلم بمحاولة مجموعة مهاجرين تجاوز ذلك السياج. يتخبّط المدنيون والحرس في الظلمة ويتعاركون ويصرخون. في ظل هذه الفوضى، يهاجم حارس أحد المهاجرين فيلقى حتفه. ثم نتابع مسار التحقيق بهذه الحادثة مع سرفانتس العالق بين ضغوط زملائه الضباط وضميره.

تبدأ القصة الثانية في الكاميرون مع مدير تنفيذي لمنظمة غير حكومية (لويس توسار)، وهو المسؤول عن حماية الحيوانات البرية ضد الصيادين غير الشرعيين. تُركّز هذه القصة تحديداً على الشرخ القائم بين زائرته الأوروبية والرجال المحليين الذين يعتبرهم تحت إمرته. لكنّ وصول ابنته المراهِقة المضطربة (آنا كاستيولو) يزيد الوضع تعقيداً.

أما القصة الثالثة، فهي التي تبرر عنوان الفيلم وتحتل الجزء الأكبر من مدة العرض. تتقاطع طرق "أدو" البالغ من العمر ست سنوات وشقيقته المراهِقة "أليكا" (زيدية ديسو) مع مجموعة من الصيادين غير الشرعيين، فيضطران للهرب. كانت خطتهما الأولية تقضي بالوصول إلى إسبانيا حيث يقيم والدهما أصلاً. اليوم، تبلغ المسافة الفاصلة بين الكاميرون وإسبانيا 2500 ميل. لذا يصعب أن ينجح الأولاد في قطع هذه المسافة كلها. لكن يضطر عدد كبير من الأولاد لخوض هذا النوع من التحدي. في نهاية الفيلم، يظهر إحصاء على الشاشة مفاده أن عدد المهاجرين في العالم بلغ 70 مليوناً في العام 2018 وكان نصفهم من الأولاد.

يأخذ أي فيلم مجازفة كبرى حين يجعل ممثلاً عمره ست سنوات محور معظم أحداثه، لكن من الواضح أن صانعي هذا العمل وجدوا في الطفل مصطفى أومارو ميزة حقيقية. يقال إنهم أجروا تجارب أداء مع آلاف الأولاد لتجسيد هذا الدور قبل أن يكتشفوا مصطفى في شوارع جمهورية بنين الأفريقية. يقدم مصطفى أداءً مبهراً بالنسبة إلى طفل لا يتمتع بأي خبرة في التمثيل. لن يشعر المشاهدون في أي لحظة بأنه يمثّل، بل إننا سنشاهد بكل بساطة طفلاً يتفاعل بعفوية مع تجاربه وقد يصعب تحمّل هذه المواقف أحياناً. ستكون رحلة "أدو" شاقة وخطيرة. تترافق رحلات سفر الفقراء الذين لا يحملون أوراقاً رسمية على طول آلاف الأميال مع مجازفات كبرى، وبيئات قاسية، وأشخاص متوحشين ومستعدين لاستغلال أضعف الناس.





في مرحلة لاحقة من الرحلة، ينضم "ماسار" (آدم نورو) إلى "أدو". إنه مراهق آخر يحاول شق طريقه باتجاه الشمال، فيأخذ "أدو" تحت جناحه ويحميه بكل قوته من أسوأ الوقائع التي ترافق هذا الوضع. يقدم نورو في هذا الدور أداءً مدهشاً، فتخفي حماسته الظاهرية وابتسامته الدائمة في وجه "أدو" الثقل الذي يشعر به لأنه لاجئ مضطر لحماية طفل آخر مع أنه لا يزال صغير السن أيضاً. يقوم "ماسار" بعمل بطولي دفاعاً عن "أدو"، حتى أنه يتحمّل سوء المعاملة بدل الفتى الصغير في أحد المواقف.

في القصة الثانية، يحاول "غونزالو" الذي يؤدي دوره الممثل لويس توسار حماية الحيوانات المعرّضة للانقراض، وهي قضية نبيلة على جميع المستويات. لكنه لا يأخذ بالاعتبار العوامل العامة التي يتحمّلها المجتمع المحلي والاقتصاد في تلك المنطقة. تبرز مفارقة ساخرة في أفكاره، فهو يدعو السكان إلى بذل جهود جماعية لتحسين وضع المنطقة لكن سرعان ما يتبيّن، كما تقول ابنته في أحد المشاهد، أن أحد الأسباب التي دفعته للإقامة في أفريقيا والامتناع عن العودة إلى وطنه الأم إلا في حالات نادرة يتعلق برغبته في تجنّب دفع الضرائب. تطرح شخصيات أوروبية في القصة فرضية ضمنية مفادها أنّ من يحاولون الوصول إلى أوروبا يريدون الانتقال من وضع "مقبول" إلى حياة "أفضل" بأسهل طريقة ممكنة، مع أنهم يستطيعون التنعم بحياة جيدة في بلدانهم إذا قرروا البقاء وإصلاح المشاكل هناك. على أرض الواقع، لا يحاول ملايين الناس التوجه إلى دول أكثر ثراءً بحثاً عن المال، بل يريدون بكل بساطة أن يهربوا من الجوع والحرب والعصابات الوحشية وعوامل كثيرة أخرى لا تترك لهم أي خيار آخر. باختصار، تبقى الهجرة غير الشرعية تجربة شاقة بمعنى الكلمة.

تجنّب الفيلم إعطاء دروس أخلاقية أو اقتراح حلول شاملة، وهو نهج ذكي. يقوم أبطال القصص الثلاث بما يعتبرونه صائباً، وتتعدد الأفكار القوية التي تدعم قناعاتهم وتصرفاتهم أو تُخالفها. من خلال التركيز على الأولاد، يريد هذا الفيلم أن يشدد على الفكرة القائلة إن العالم مكان معقد ومترابط، لذا لا مفر من أن تتفاقم المعاناة عند تجاهل هذا الواقع واستبداله بخطابات قومية وسلوكيات انعزالية. في النهاية، يتحمل أضعف الناس تداعيات هذه المقاربة. وحدهم الأشخاص الذين يفتقرون إلى الإنسانية لا يهتمون بمظاهر المعاناة طالما تبقى بعيدة عنهم.

يحتاج العالم اليوم إلى هذا الفيلم الذي يتمحور حول طفل يقدم أداءً تمثيلياً ممتازاً يصعب إيجاده لدى الكثيرين من أبناء جيله.