في بقاع الأرض، ثمة من يتحدث عن القطارات بملل هادئ، كمن يستقلها كل صباح. يتذمّر لأن قطاره تأخر خمس دقائق، أو لأن قهوة عربة المقهى ليست على ما يرام، أو لأن المقعد أقل راحة مما اعتاد. يعرف أن القطار سيعود غدًا، لذلك يسمح لنفسه برفاهية الشكوى. أما في لبنان، فعلاقتنا بالقطار رومانسية من نوع خاص. لم يعد لدينا قطار، لكن لدينا حنين إليه، أو بالأحرى حنين إلى حنين آبائنا وأجدادنا. ما زالت القضبان تمتد هنا وهناك كندوب على جسد الأرض، وما زالت بعض المحطات قائمة، لكنها تحوّلت إلى مبانٍ مهجورة، كأن الزمن نسي أن يودّعها.
وُلدت في بلد أصبح فيه ركوب القطار أقرب إلى زيارة موقع أثري منه إلى استخدام وسيلة نقل. لذلك، عندما بدأت أسافر، اكتشفت عالمًا بدا لي أقرب إلى الخيال. رأيت الناس يشترون تذكرة، ويصعدون إلى القطار، ثم يصلون إلى وجهتهم. لا أحد يتصل بخمسة عشر شخصًا ليخبرهم أنه ما زال عالقًا في الزحمة، ولا أحد يراجع تطبيقات الخرائط كل خمس دقائق بحثًا عن طريق أقل ازدحامًا.
في إيطاليا، استقللت قطارات إقليمية يصفها أهلها بأنها بطيئة. كنت أقاوم رغبة جامحة في أن أقول لهم: "تعالوا اقضوا صباح يوم ثلثاء على أوتوستراد جونية – نهر الموت، ثم نناقش مفهوم البطء". استغرقت رحلتي من روما إلى فوجا أربع ساعات ونصف الساعة. كان القطار يسير بهدوء يبعث على الطمأنينة، ويعبر التلال والقرى وحقول عبّاد الشمس كأنه لا يعرف التوتر. أما أنا، القادمة من بلد تتحوّل فيه كل رحلة إلى اختبار للأعصاب، فوجدت نفسي أمام وسيلة نقل تسير على سكة واحدة، بلا أبواق، ولا تجاوزات بهلوانية، ولا مفاوضات وجودية مع السائق المقابل حول أحقية كلّ منّا في الطريق. بدا الأمر أشبه باكتشاف حضارة جديدة.
السريع يهزم الجغرافيا
ثم جاء دوري مع قطار "TGV" بين نابولي وروما. لم يكن يتحرك بقدر ما كان ينزلق فوق السكة، وكأنه يقول للجغرافيا: "تنحّي قليلا، لدي موعد". وصلت إلى وجهتي في وقت أقل مما قد يستغرقه الانتقال بين بعض أحياء بيروت مساء الجمعة. جلست أحدّق في المحطة وكأنني تعرضت لإهانة شخصية. ففي بلدي، اعتدت أن تمنحني الرحلة وقتًا كافيًا لأراجع حياتي، وأستمع إلى ثلاث حلقات بودكاست، وأتصل بصديقة مرتين، وربما أتناول وجبة كاملة. أما هذا القطار، فقد طلب مني النزول قبل أن أنهي قطعة من الـ "Calzone" التي اشتريتها على عجل.
وقبل ذلك، ركبت مترو نابولي – بومبي، فذكّرني ببوسطة الضيعة أيام زمان، أو بالترام الشعبي الذي تختلط فيه الضحكات بالأحاديث والوجوه المتنوعة. لم يكن فاخرًا، لكنه كان حيًا، يؤدي وظيفته ببساطة، وينقل الناس من مكان إلى آخر.
بعدها، تنقلت بين قطارات أسيزي وفلورنسا وبادوفا والبندقية. ومع كل رحلة، ازددت اقتناعًا بأن لكل قطار شخصية. هناك القطارات السريعة، الواثقة والحاسمة، وهناك القطارات الإقليمية التي تبدو أكثر ميلا إلى التأمل. أما رحلة العودة من البندقية إلى بادوفا، فكانت بطيئة إلى درجة جعلتني أشك في أن السائق يعمل سرًا مع هيئة السياحة. لم يمرّ بشجرة أو حقل إلا وأتاح لنا فرصة إضافية للتأمل في المشهد، حتى شعرت بأن بقرة في أحد الحقول تنظر إلينا باستعلاء، وكأنها تقول إننا نحن المتأخرون، لا القطار. ومع ذلك، لم أنظر إلى ساعتي مرة واحدة.
إنها موهبة القطار التي تفتقدها السيارة. فهو يحوّل الوقت الضائع إلى وقت مستعاد. على متنه، قرأت، وحلمت، وتأملت الغرباء، واخترعت لكل واحد منهم حكاية. رأيت أطفالا يلتصقون بالنوافذ، وعجائز يطالعون الصحف، ومسافرين ينامون بثقة كاملة، لأنهم يعرفون أن أحدًا لن يوقظهم على صوت زمّور أو مشاجرة، أو بسبب سائق قرّر فجأة أن يخترع قانون سير جديدًا.
دقة ومكابح
ثمة تفصيل صغير لا يخطر في بالنا، نحن أبناء الزحمة: دقة المواعيد. في محطات القطار، لا يقول أحد: "إذا الله راد"، وهو ينظر إلى ساعته. اللوحة الإلكترونية تعلن موعد الوصول، والقطار يلتزم به غالبًا، وكأن الوقت عقد لا اقتراح. أما نحن، فقد طوّرنا وحدة قياس لبنانية خاصة للزمن، اسمها: "أنا بالطريق"، وهي عبارة مطاطية قد تعني أننا على بعد دقيقة، أو أننا ما زلنا نبحث عن مفاتيح السيارة.
في لبنان، لا تترك لنا الطريق فرصة لنحلم. السائق أمامنا قد يضغط على المكابح بلا سبب، والذي خلفنا يطلق "زمّورًا" كأنه يعتقد أن الضجيج يفتح الطرقات، بينما تظهر الدراجات النارية من كل الجهات، حتى يُخيّل إلينا أنها تهبط من السماء. وعندما نصل، لا نشعر بأننا أنهينا رحلة، بل بأننا نجونا من مغامرة. نحن لا نقيس المسافات بالدقائق، بل بمقدار الأعصاب التي فقدناها في الطريق.
أيوب وحنّة
ربما لهذا السبب لا يزال اللبنانيون يتحدثون عن السكك الحديدية بكل هذا الحنين. فنحن لم نفقد وسيلة نقل فحسب، بل فقدنا فكرة كاملة عن الحياة، فكرة أن الانتقال بين مدينة وأخرى يمكن أن يتم من دون سباق مع الوقت، أو مع الحفر، أو مع الإشارات المعطلة، أو مع مزاج السائقين. وأتذكر دائمًا تلك الحلقة الشهيرة من برنامج الكاميرا الخفية التي صُوّرت بعد عودة القطار إلى العمل لفترة قصيرة في ثمانينات القرن الماضي، وفيها صعدت امرأة تتظاهر بالجنون، وأخذت تسأل الركاب بكل جدية: "بتحبّي حنّة؟". كان السؤال غريبًا إلى درجة أن بعض الركاب حاولوا الإجابة فعلا، بينما انفجر آخرون ضاحكين. وما يضحكني في تلك الحادثة أنّ القطار لم يكد يظهر من جديد حتى تحوّل إلى مسرح للكوميديا. كأننا نملك قدرة خارقة على تحويل أكثر المواقف غرابة إلى مادة للضحك. وعندما يصبح الواقع عبثيًا، لا نحاول إصلاحه أولا، بل نسابقه إلى العبث. إنها طريقتنا الخاصة في البقاء.
منذ تلك الرحلات، أصبحتُ أعشق محطات القطار بقدر ما أعشق المدن نفسها. أحب لوحات المغادرة والوصول، والركاب المسرعين، والقراء الغارقين في كتبهم، والمسافرين الذين يغفون مطمئنين، وأولئك الذين يقفون أمام النوافذ يتأملون المطر. في المحطات حياة كاملة، وكل قطار يحمل عشرات القصص التي لا نعرف كيف بدأت ولا كيف ستنتهي. وأحيانًا، أتخيّل كيف سيكون لبنان لو عاد القطار. بالطبع، سنختلف أشهرًا حول لون المقاعد، وأسعار التذاكر، وعدد المحطات، وأفضل منقوشة تُباع في كل محطة. سيظهر خبير يؤكد أن المشروع فاشل قبل أن يبدأ، وآخر يحن إلى قطارات الماضي، مع أنه لم يركب قطارًا في حياته، وثالث سيطالب بخط يمر أمام منزله لأنه "حق مكتسب". لكن، رغم كل ذلك، ما زلت أؤمن بأن القطار الذي يعبر البلاد يحمل أكثر من مجرد ركاب. يحمل فكرة، وإيقاعًا مختلفًا للحياة، ووعدًا بأن الوقت يمكن أن يصبح أقل قسوة، وأن المدن يمكن أن تقترب من بعضها، وأن البحر والجبال والقرى تستطيع أن تجتمع في نافذة واحدة، بدل أن تظل محجوبة خلف طوابير السيارات.