إذا ذهبنا في مشوار طويل، نكاد نشعر أحيانًا أن الرحلة لا تنتهي، ويكاد ينفد صبرنا في انتظار لحظة نترجّل فيها من السيّارة لنستعيد إحساسنا بالأرض من تحت أقدامنا. فكيف إذا اكتشفنا أنّ الطريق لا نهاية له، وأنّ السيّارة لن تتوقّف، وأنّ الترجُّل منها لم يعُد خيارًا أصلا؟! من هذه الفكرة البسيطة والمُقلقة ينطلق فيلم "IT ENDS" ليُحوِّل رحلة عاديّة إلى كابوس وجودي تتلاشى فيه الحدود بين رعب الطريق والقلق الإنساني، وبين الحركة التي تمنحنا الحياة والحركة التي قد تصبح سجنًا أبديًّا!
تدور قصّة الفيلم حول أربعة أصدقاء شباب يستقلّون سيارة في رحلة ليليّة لشراء الطعام، قبل أن يجدوا أنفسهم على طريق غابيّ لا نهاية له. كلّما توقّفوا، خرجت من الظلام شخصيّات شبيهة بهم بصورة مُقلقة، فيتحوّل التوقّف إلى خطر، والحركة إلى قدر محتوم. لكنّ المفارقة الأكثر إثارة هي أنّ السيّارة لا تستهلك وقودها، وأجسادهم لا تستجيب للحاجات الطبيعيّة. لا جوع، لا تعب، ولا حتى إحساس معتاد بمرور الزمن. وهنا يبدأ الفيلم في تفكيك مفهوم الزمن السينمائي نفسه، إذ يجعلنا نتساءل: ما الذي يبقى من الإنسان حين يصبح المستقبل مجرّد تكرار؟
السيارة زنزانة تتحرّك
قوّة "IT ENDS" لا تكمُن في كثافة الدماء أو وفرة الرعب المفاجئ (Jump Scares)، بل في البناء التدريجي للرهبة. الطريق المُستقيم، الذي يُفترض أن يكون رمزًا للوجهة والتقدُّم، يتحوّل إلى فضاء دائري مغلق. والغابة المحيطة بالسيارة تصبح نوعًا من الفضاء الخارجي الغامض، أي الخطر الذي لا نراه بقدر ما نتخيَّله. هكذا يوظِّف المُخرج العشريني Alexander Ullom المجهول بوصفه أداة رعب، ويترك خيال المُشاهد يُكمل ما تعجز الميزانيّة المحدودة عن إظهاره (بلغت ميزانية الفيلم المتواضعة جدًا قرابة 80,000 دولار). في المقابل، تمنح الكيمياء الطبيعيّة بين الممثلين الفيلم دفئًا إنسانيًا يمنع كابوسه من التحوّل إلى تمرين فكري بارد.
وتكتسب السيارة وظيفة دراميّة تتجاوز كونها وسيلة نقل أو عبور. شيئًا فشيئًا، تصبح حيّزًا مسرحيًا مغلقًا (Huis-Clos)، أو ما يشبه مقصورة متحرّكة، تضيق على الشخصيّات كلّما طال الطريق. داخل هذا الحيّز تتكشّف العلاقات، وتظهر الخلافات، وتتحوّل المزحات والألعاب الصغيرة إلى آليات للبقاء النفسي. وبينما يبحث بعضهم عن تفسير خارق لما يحدث، يحاول آخرون ببساطة العثور على سبب للاستمرار. كما يمكن قراءة السيارة كخليَّة حيّة تتحرّك داخل جسد أكبر. فالشخصيّات الأربع، بما تحمله كل منها من تناقضات ورغبات ومخاوف، تشبه مكوِّنات دقيقة داخل هذا الكيان المغلق. لكلّ منها وظيفتها، لكنّ وجودها لا يكتمل إلا باستمرار الحركة. وكما تتآلف البروتونات والنيوترونات والإلكترونات داخل بُنية الذرّة، تتآلف الشخصيّات داخل السيّارة، بحيث يُصبح توقّفها أكثر من لحظة سكون... إنه نقيض الحياة نفسها.
الاستمرار في الحركة
من هنا تكتسب الرحلة معناها الفلسفي الأعمق. ليست الحركة وسيلة للوصول، بل شرطًا للاستمرار. في هذا المعنى، يستعيد الفيلم، بصورة سينمائيّة قاتمة، الفكرة المنسوبة إلى ألبرت أينشتاين: "الحياة مثل ركوب الدرّاجة. للحفاظ على توازنك، عليك أن تستمر في الحركة". غير أنّ "IT ENDS" يقلب هذه الحكمة على وجهها الأكثر رعبًا: ماذا لو تحوّلت الحركة من وسيلة للحفاظ على الحياة إلى عقوبة لا يمكن الإفلات منها؟ عندها لا يعود الخوف من التوقف وحده، بل من أن تصبح الاستمراريّة قدرًا أبديًا. وهنا يكمن تناقض الفيلم الأكثر ذكاءً، إذ إن الحياة لا تكون ممكنة إلا بالحركة، لكنّ الحركة، حين تُجرَّد من غاية الوصول، قد تتحوّل هي نفسها إلى شكل من أشكال الموت. لذلك، يُمكن قراءة الفيلم كاستعارة لجيل شاب يدخل مرحلة الرّشد وسط شعور بالضياع والقلق وانهيار اليقين بالمستقبل.
لا يطاردك رعب نفسي بعد انتهاء الفيلم بقدر ما يجعلك تنظر إلى الطريق الذي تسلكه في حياتك بطريقة مختلفة. لذا ندعوكم إلى سلوك الطريق إلى صالة السينما المفضّلة لديكم ومشاهدة هذا الفيلم من دون تردُّد.