يشهد عالم الرياضة في السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً مع ازدياد عدد النساء اللواتي يتولين مهام التحكيم في أبرز البطولات الرياضية بما في ذلك الرياضات التي كانت تُعد حكراً على الرجال مثل كرة القدم والبيسبول وكرة القدم الأمريكية. ويعكس هذا التطور تغيراً اجتماعياً أوسع يتمثل في تراجع الفوارق التقليدية بين الأدوار التي كان يُنظر إليها على أنها خاصة بالرجال أو النساء.
خلال كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية برزت مشاركة عدد من الحكمات الدوليات في إدارة مباريات البطولة من بينهن الأمريكية توري بينسو والمكسيكية كاتيا إيتزل غارسيا اللتان سبق لهما إدارة مباريات في أعلى مستويات الدوريات الاحترافية بعد اجتياز الاختبارات البدنية والفنية نفسها التي يخضع لها الحكام الرجال. كما تُعد هذه المشاركة الثانية فقط في تاريخ كأس العالم التي تشهد وجود حكمات في مباريات الرجال بعد النسخة التي أقيمت في قطر عام 2022.
وامتد هذا الحضور إلى رياضات أخرى إذ شهد دوري البيسبول الأمريكي للمحترفين لأول مرة في تاريخه الممتد 150 عاماً ظهور جين باول كحكمة في الموسم المنتظم بينما ارتفعت نسبة النساء في طاقم حكام دوري كرة السلة الأمريكي (NBA) إلى نحو 8%.
كما انضمت اليابان إلى هذا التوجه العالمي حيث سيشهد مهرجان كوشيين الشهير للبيسبول المدرسي مشاركة خمس حكمات للمرة الأولى منذ انطلاق البطولة قبل أكثر من قرن في خطوة تعكس تغيراً في النظرة إلى مشاركة النساء في المجالات الرياضية التي كانت مغلقة أمامهن.
ولا يقتصر انتشار الحكمات على اعتبارات المساواة بين الجنسين بل يرتبط أيضاً بعوامل عملية تواجه الرياضة الحديثة. فتراجع شعبية بعض الرياضات التقليدية وانخفاض أعداد الشباب إضافة إلى النقص المتزايد في الحكام بسبب تدني الأجور وتصاعد الضغوط والاعتداءات اللفظية من الجماهير كلها عوامل دفعت الاتحادات الرياضية إلى توسيع قاعدة الحكام واستقطاب المزيد من النساء.
ورغم هذا التقدم لا تزال الحكمات يواجهن تحديات كبيرة أبرزها الانتقادات والهجمات القائمة على التمييز بين الجنسين. وتشير تقارير إلى أن معظم التعليقات الإيجابية التي تتلقاها الحكمات على وسائل التواصل الاجتماعي ترتبط بمظهرهن أكثر من أدائهن المهني فيما تعرضت بعض الشخصيات الرياضية لعقوبات بسبب تصريحات مسيئة بحق الحكمات.
المرأة اللبنانية تنتزع مكانها في التحكيم الرياضي
ولا يقتصر هذا التحول على الساحة الرياضية العالمية بل ينسحب أيضاً على لبنان حيث يشهد التحكيم النسائي تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة مع بروز أسماء استطاعت إثبات كفاءتها في عدد من الرياضات. ففي كرة القدم تتصدر دموع البقار المشهد بعدما أصبحت أول حكمة لبنانية تنال الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) عام 2016 وقادت مباريات للرجال في دوري الدرجة الثانية إلى جانب مشاركاتها في بطولات آسيوية ودولية. كما انضمت حنين مرعي إلى اللائحة الدولية للحكام عام 2026 كحكمة ساحة بينما أدرجت جنى حيدر على لائحة الحكام المساعدين الدوليين منذ عام 2025. كذلك برزت أسماء ريم منصور وسيلينا الحاج وسينتيا الحاج اللواتي قدن معاً مباريات رسمية في الدوري اللبناني للسيدات ضمن طاقم تحكيمي نسائي كامل في خطوة تعكس تنامي حضور المرأة في ملاعب كرة القدم اللبنانية.
وفي كرة السلة يُعد حضور المرأة في مجال التحكيم أقدم وأكثر رسوخاً. فقد دخلت ربى عطية التاريخ عندما حصلت على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة السلة (FIBA) عام 2005 قبل أن تصبح عام 2008 أول امرأة تقود مباراة في دوري الدرجة الأولى اللبناني للرجال فاتحةً الباب أمام أجيال جديدة من الحكمات. كما برز اسم جينيفر عموري التي تواصل إدارة مباريات محلية ودولية للفئات العمرية إلى جانب الحكمة ريفا الحاج.
أما في الرياضات القتالية فقد حققت كوزيت بصيبص حضوراً لافتاً كحكمة دولية في رياضة التايكوندو فيما تجمع ألكسندرا بو زهر بين التحكيم والمشاركة الرياضية في مجال الفنون القتالية. وفي رياضة التنس تُعد نادين زوين من الوجوه المعروفة في تحكيم وإدارة البطولات المحلية. ورغم أن عدد الحكمات في لبنان لا يزال محدوداً مقارنة بالرجال فإن هذه الإنجازات تعكس مساراً متصاعداً يؤكد قدرة المرأة اللبنانية على فرض حضورها في مجال التحكيم الرياضي، انسجاماً مع التحولات التي يشهدها العالم في هذا المجال.
ويؤكد هذا الواقع أن ازدياد عدد النساء في مجال التحكيم لا يمثل مجرد تغيير رمزي بل يعكس تحولاً مستمراً في الرياضة العالمية نحو منح الفرص على أساس الكفاءة والخبرة مع استمرار الحاجة إلى مواجهة التحديات الاجتماعية والثقافية التي لا تزال ترافق هذه المسيرة.