ايلي خوري

لبنان الكبير!

4 دقائق للقراءة

بغضّ النظر عن تأييد الفكرة أو معارضتها، ورغم انشغال البعض بالتدقيق العبثي في ما لا طائل منه، فإن المشروع، بحدّ ذاته، مشروعٌ، تاريخيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، والأهمّ ثقافيًا. بل هو مشروع تمايزي إقليمياً وعالمياً.

صحيح أنّه كان، في جوهره، اختراعًا مارونيًا–درزيًا، لكنّ منافعه شملت الجميع (سويسرا الشرق بدلًا من سوريا الأسد مثلًا). وصحيح أيضًا أنّ غالبية السنّة والشيعة آنذاك فضّلت الأمّة على الجمهورية. لكن، ومع مرور الزمن، انقسم المسلمون أيديولوجيًا إلى ثلاثة اتجاهات رئيسة.

الجمهوريّون: ثلثٌ لبنانيّ بالفطرة، لا تعنيه عقدة المؤسّس بقدر ما تعنيه النتيجة. تبنّى الجمهورية لتَفادي الأخونة والعسكرة والتأميم، ولتطوير مجتمعه فكريًا واجتماعيًا، ثم اقتصاديًا، وسعى فعلياً إلى مواطنة طبيعية للجميع. (هؤلاء صُنّفوا انعزاليين، ورجعيين، أو موارنة سياسيًا).

المشترطون: ثلثٌ محافظ تقليدي، لا يقبل لبنان إلا على ذوقه، او أقلّه مربوطًا برسن (العروبة). فوضع قدمًا في فلاحة لبنان، والأخرى في بور الإقليم. واعتمد الأمّة إن لم يستحِ بطائفته، واليسار إن استحى. هؤلاء صُنّفوا “وطنيين”.

الرفضيّون: أمّا الثلث الثالث، فيكره الفكرة من أساسها، لأسباب عنصرية ودينية وعقائدية وأسطورية تافهة (باعتبارها مشروع موارنة ويهود). خلطة إسلامجيية (ملالي، إخوان، داعش) مطعّمة بالعنصرية (عربي، فارسي، سوري). اما الساذج والدجال، فأضاف إليها بهارات يسارية "ووكية" على الموضة من نوع “لبنان صناعة إمبريالية”.


في هذه الأثناء

ورغم بعض الأخطاء الطبيعية وغير المصيرية، بقي ثلثا المسيحيين مغرمين بلبنان، كبيرًا كان أو صغيرًا. بينما تأرجح ثلث بين ذمّية سخيفة عند السنّة أو الشيعة، بحسب المصلحة، وبين عنصرية مسيحية مذعورة (مثل الثلث المسلم الثالث).

وأمّا الدروز (الحمر)، فتوّهَهم كمال بك بدهاليز نظريات المؤامرة، ومن بعده ما زال وليد بك يحاول إيجاد الباب.

رائع. ولكن بعد مئة وخمس سنوات على قيام الجمهورية، لماذا لم تستوِ بعد؟

السبب الأول، الأساسي، والحقيقي، أنّ الثلث المسلم الثالث، ومعه شبيهه المسيحي الضئيل الحجم، وبدعم من دروز بيضة القبّان، وبفضل استعداده للعمالة عند أول تافه إقليمي سرق قرشين من شعبه ويريد تبذيرهما، نجح في مصادرة الثلث الثاني عبر استثارة غرائزه العنصرية والدينية، أي “الكدية المركزية”، وحاول قمع الثلث الأول (وثلثَي المسيحيين) إلى الأبد.

وطبعًا، الحجّة المعلنة أحيانًا والمضمرة غالبًا، لم تكن يومًا: كيف نتشارك هوية الجمهورية ووجهتها بل كانت دائمًا: ستسير على هواي حصرًا، وإلّا سأظل أهدّدك بتفكيك الجمهورية وتدميرها. ولن أهدد فحسب لا بل سأنفّذ.


مـشكلـة وحل

بصراحة وبكل شفافية، المشكلة هي عند الثلث الثاني (المسلم). فلقد أمضى عقودًا ينغّص على الثلث الأول ويخوّنه، حتى احتل الثالث مكان الاثنين معًا، وحوّلهم إلى خزمتجية لديه. ومن لم يعجبه الأمر، اغتاله، إمّا جسديًا أو سياسيًا.

اليوم، فالباب مفتوح عل مصراعيه أمام الثلث الأول، كما أنّه مفتوح أمام الثاني، ليتخلّى عن عنصريّته ورجعيّته، ويختار الشراكة مع الأول، أخلاقيًا على الأقل، لا مع الثالث الذي لا يحتكم الى ذرّة أخلاق.

وأخيرًا، وبمنتهى الصراحة - والعلمانية، منذ ضُرب الثلث المسلم الأول من داخل بيته، وتكتّل الثاني والثالث عليه أثناء حروب الجمهورية، انتهينا إلى واقعٍ، منذ عقود، يخرّب الجمهورية وبيوت الجميع.


معيب أن يـستمرّ

منذ عام 1920 حتى اليوم، لم يلتزم “الشريك” المسلم، ولو مرّة واحدة، بالدستور والمواثيق ولا حتى بالقانون. يوافق حين يوافق هواه، أو تحت ضغط الظروف، ثم يلعق توقيعه عند أول فرصة يظنّها مؤاتية، تكرارًا ودائمًا.

وعليه، فإن بقاء الجمهورية - ونجاحها، مرتبطان بقرار تاريخي ونهائي يتّخذه الثلث المسلم الثاني، اليوم قبل الغد. فإمّا أن يقرّر أنّ "لبنان أوّلًا وآخرًا" (لا كما يفهمه فرعون برّي أو بعض الوزراء)، وإمّا لا داعي للنقاش.

وأخيرًا، بحق الغالي والنفيس، عيفونا من "تربيح الجميلة". فمعروف من له أن يفعل ومن ليس جديرًا بذلك، وبالتأكيد لا منّة لمن كانوا تاريخيًا ودائمًا ألد أعداء الجمهورية.