لا يخوض لبنان اليوم مواجهة بين أكثرية وأقلية، ولا بين السلطة والمعارضة، بل بين مشروع يسعى إلى إعادة بناء الدولة ومنظومة سياسية عميقة تشكلت على امتداد عقود، ولم تكن مجرد تحالفات حزبية، بل شبكة متداخلة من النفوذ والمصالح والمحاصصة والإدارة والزبائنية. وقد عاشت هذه المنظومة على استثمار التحولات الإقليمية أكثر مما عاشت على صناعتها، فكلما تبدلت موازين القوى، نجحت في إعادة إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة.
وكان نبيه بري ووليد جنبلاط من أبرز ركائز هذه المنظومة ومهندسي توازناتها. فمن اتفاق الطائف إلى مرحلة الوصاية السورية، ثم خلال تعاظم النفوذ الإيراني عبر حزب الله، بنى الرجلان حضورهما السياسي على منظومة جعلت من الدولة أداة لإدارة التوازنات أكثر منها مرجعية لفرضها. ولم يكن نجاحهما في استشراف التحولات، بل في استثمار كل ميزان قوى جديد بما يضمن استمرار شبكة النفوذ التي يمثلانها.
إلا أن التحول الذي يشهده لبنان اليوم يختلف عن كل ما سبقه. فالمسار المطروح لا يقوم على إعادة توزيع الحصص داخل المنظومة نفسها، بل على إعادة صياغة قواعد اللعبة التي قامت عليها لعقود. ولهذا خاضت المنظومة معركة تعطيل هذا المسار، أو تعديله بما يحفظ لها امتيازاتها ونفوذها، لكنها وجدت نفسها للمرة الأولى أمام مسار لا يسمح بإعادة إنتاج قواعد اللعبة القديمة، بل يفرض قواعد جديدة عليها.
ومن هذا المنظار يمكن قراءة زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى قصر بعبدا بعد عودة رئيس الجمهورية من واشنطن. فاللافت لم يكن الزيارة بحد ذاتها، بل الحرص على إنتاج خطاب يحفظ موقع رئيس المجلس داخل المرحلة المقبلة، ويخفف من صورة الانتقال من موقع المعترض إلى موقع الساعي للمشاركة في مسار كان حتى الأمس القريب يعمل على تعطيله أو الحد من اندفاعته. وبدرجات متفاوتة، يمكن ملاحظة مسار مشابه لدى وليد جنبلاط، الذي اتجه بدوره إلى خطاب أكثر مرونة بعدما تراجعت رهانات المواجهة. فبعدما كان الرهان على تعطيل المسار أو احتوائه، أصبح الرهان على عدم البقاء خارجه، وبات السؤال بالنسبة إلى أركان المنظومة ليس كيف يوقفون التحول، بل كيف يلتحقون به ويقتنصون لأنفسهم موقعًا داخله.
أما الرجلان اللذان نجحا لعقود في إعادة إنتاج نفوذهما مع كل تحول إقليمي، فيواجهان اليوم امتحانًا مختلفًا. فخيارهما الاستراتيجي وضعهما هذه المرة في الجهة الخاسرة من التحول، بعدما راهنا على بقاء موازين قوى أخذت تتآكل تدريجيًا. وبعدما عجزا عن منع المسار الجديد أو تعديل اتجاهه، أصبح الرهان على الالتحاق به وانتزاع أكبر قدر ممكن من النفوذ من داخل النظام الذي كانا حتى الأمس القريب يحاولان إبطاء ولادته.
إن أقسى ما يمكن أن تواجهه أي منظومة سياسية ليس سقوطها، بل أن يصبح بقاؤها مرهونًا بالخضوع للشروط التي أمضت سنوات ترفضها.