مرة جديدة، يحلّ الأول من آب ولا يحتفل الجيش اللبناني بـ"عيده". مرة جديدة، يمرّ هذا اليوم بمزيج من الخيبة والأمل: أمل بأن يكون الجيش القوة الوحيدة التي تمتلك قوة القرار العسكري، وتحتكر حمل السلاح مع القوى الشرعية الأخرى، وخيبة من أنّ مثل هذا الأمر لا يزال متعذّرًا تطبيقه. وبين الخيبة والأمل، يبقى هذا الجيش وكأنّه الجيش الذي لا بدّ منه في دولة تبحث عن قرار وعن استقرار.
لا معنى للأول من آب إلا إذا تبدّلت المقاييس، وتأكّدت مسألة أنّ الجيش وحده هو حامي الوطن واللبنانيين وسياج الحدود، في دولة لا تزال من دون حدود. لا حدود لسيادة الدولة في حدودها الخارجية المحدّدة منذ إعلان دولة لبنان الكبير في أول أيلول 1920، طالما أنّ هذه الحدود فالتة ومستباحة في الاتجاهين. ولا حدود لسيادتها في الداخل، طالما أنّ "حزب الله" لا يزال باستطاعته أن يمارس سيادته على بعض هذه الدولة، على الأرض وفي المؤسسات، وطالما أنّ هذه الدولة لم تعمل ما يجب أن تعمله لكي تستعيد سيادتها على حدودها في الداخل ومع الخارج.
أكثر من مرة تعطّل دور الجيش. وأكثر من مرة انقسم وتوزّع ولاءات سياسية وعسكرية. وأكثر من مرة عاد وتوحّد. وأكثر من مرة قاتل بعضه. وأكثر من مرة قاتل مع بعضه في معارك كثيرة خاضها. تلك التجارب مجتمعة مع بعضها، بحلوها ومرّها، وبالدماء التي سالت فيها، والآمال التي بُنيت عليها، والشعارات التي رُسمت لها، تشكّل مسيرة طويلة من تاريخ الجيش اللبناني، الذي يبقى، مهما تبدّلت الظروف وتغيّرت المعادلات، الجيش الذي لا بديل عنه من أجل أن تبقى الدولة دولة.
جيش العهد الجديد
ولكن هل المشكلة هي في الجيش أم في النظام السياسي وتركيبة السلطة وسلطة القرار؟ آخر تجليات هذه المسألة تبرز من خلال ما بدأ مع العهد الحالي. رئيس الجمهورية جوزاف عون وصل إلى قصر بعبدا في 9 كانون الثاني 2025، بعد نحو ثمانية أعوام أمضاها في قيادة الجيش منذ 8 آذار 2017. في خطاب القسم الذي تلاه بعد انتخابه، حكى الرئيس عن سلطة الدولة، وسلاح الجيش اللبناني الوحيد، ونزع سلاح "حزب الله" وسائر الميليشيات، واستعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها. قال ذلك بينما كان "حزب الله" لا يزال يعمل على متابعة التحضير لاستئناف الحرب مع إسرائيل. بعد تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، اتخذ مجلس الوزراء قرارَي حصرية السلاح في 5 و7 آب 2025، وتم تكليف الجيش بتطبيقهما. ولكن الواقع على الأرض أظهر أنّ الجيش لم يذهب في هذا الاتجاه. حصل ذلك في ظل عدم إحياء العهد الجديد مناسبة عيد الجيش في الأول من آب. هذا العام يمرّ أيضًا الأول من آب ولم تتبدّل الصورة. لا احتفال ولا تطبيق للقرارات. على العكس، دخل "حزب الله" حربًا جديدة في الأول من آذار الماضي لمساندة إيران بعد اغتيال المرشد السيد علي الخامنئي. بعد حرب مساندة غزة، تلقّى "الحزب" ضربات موجعة، ووافق مضطرًا على اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، الذي كان يجب، من خلال تطبيقه، أن يتخلّى عن سلاحه مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها في لبنان. ولكن "الحزب" لم يلتزم. تولّى الجيش اللبناني مسألة البحث عن أسلحة "الحزب" من دون تنفيذ عملاني على الأرض. وبدأت مرويّات الحديث عن السلاح جنوب الليطاني وشمال الليطاني، وحول رفض "الحزب" تسليم سلاحه للجيش، وتهديده بالحرب ضدّه. وفي المقابل، التزم الجيش عدم الاصطدام بـ "الحزب"، وبالتالي لم يطبّق قرار الحكومة.
مناطق تجريبية
بعد حرب مساندة إيران، اتخذت السلطة في 2 آذار قرارًا اعتبرت فيه أنّ قوات "الحزب" باتت خارجة عن القانون. ولكن القرار أيضًا بقي من دون تنفيذ. ذهبت السلطة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وبقيت القرارات من دون تنفيذ. وكما كان يتم البحث عن مخازن أسلحة "الحزب" بعد قرار 5 آب 2025، دخل الجيش مسارًا جديدًا من خلال ما سمّي المناطق التجريبية، التي يجب أن يفرض سيطرته عليها ويمنع "حزب الله" من العودة بسلاحه إليها، تطبيقًا لـ"صيغة اتفاق الإطار" التي تم التوصل إليها مع إسرائيل. ولكن دون ذلك صعوبات كثيرة، ومن المتوقع أن تؤول هذه التجربة إلى ما آلت إليه تجربة نزع سلاح "الحزب" في المرحلة الأولى.
قبل الرئيس جوزاف عون، كانت تجربة "الحزب" مع سلاحه أقوى من عهود الرؤساء إميل لحود وميشال سليمان وميشال عون. لحود أعطى "الحزب" كل ما يلزمه من غطاء رسمي منذ تولّى الرئاسة عام 1998. الرئيس ميشال سليمان تعرّض للقصف بعد الكلام الذي قاله عن معادلة "الحزب" الخشبية وعن سلاحه في احتفال الأول من آب عام 2012. الرئيس ميشال عون كان يريد أن يحتفل بعيد الاستقلال بعرض عسكري في 22 تشرين الثاني 2016، بعد 22 يومًا على انتخابه رئيسًا للجمهورية، ولكن "الحزب" فاجأه بعرض عسكري لـ"جيشه" في منطقة القصير، التي كان قد احتلها عام 2013 في القلمون السوري. "الحزب" أيضًا منع احتفال الجيش بالانتصار في معركة "فجر الجرود" عام 2017، في ظل رئاسة الرئيس ميشال عون وقيادة العماد جوزاف عون للجيش.
معنى الأول من آب
مسألة سلاح الجيش هي ذاتها التي لا تزال مطروحة اليوم. لا يمكن أن يكون هناك احتفال له معنى بعيد الجيش إلا بعد أن يكون هذا الجيش قد صار هو القوة الشرعية الوحيدة المسيطرة على الأمن في لبنان، والقادرة على صون حدوده.
عام 1976، انقسم الجيش وعاد وتوحّد. وعام 1982، انقسم وعاد وتوحّد. وعام 1988، انقسم وعاد وتوحّد. لا يمكن التضحية بهذا الجيش واعتبار أنّه لا لزوم له إذا لم يكن حاضرًا في الملمّات الصعبة وعند المفترقات المصيرية، ولا يمكن الاكتفاء بأن يكون ضامنًا للأمن بالتراضي أو بالمسايرة. لقد أثبت، في معارك كثيرة خاضها، أنّه قادر على أن يفعل وعلى أن يبقى واحدًا. ولكي يبقى محور المؤسسات التي تعبّر عن وحدة الدولة، عليه أن يتخطّى الحاجز المرسوم له، وأن يترافق هذا التخطّي مع قرار وغطاء من السلطة السياسية، وإلا فلا معنى لأن يبقى شريكًا لـ"جيش" آخر أو أكثر. جيش واحد لا جيشان، هو الجيش الذي لا بدّ منه.