تستعد بلدة الباروك للتحوّل إلى شاشة مفتوحة للسينما، مع انطلاق الدورة الأولى من "مهرجان الباروك السينمائي" غدًا، الجمعة 7 آب 2026، وتستمر فعالياتها يومَي السبت والأحد، في 8 و9 الجاري، مشكّلةً حدثًا فنيًّا وثقافيًّا يطمح إلى ترسيخ مكانته بوصفه منصةً تحتضن السينما المستقلة، وتمنح المواهب الشابة وطلاب الإخراج وصنّاع الأفلام الناشئين فرصة لعرض أعمالهم والتواصل مع الجمهور.
وُلدت فكرة إطلاق "مهرجان الباروك السينمائي" في أيلول 2025، بحسب ما يقول منظّم المهرجان جورج حداد، قبل أن يُفتح باب استقبال المشاركات في كانون الأول من العام نفسه، ويظل مفتوحًا حتى نهاية حزيران الماضي. وخلال هذه الفترة، تلقّت إدارة المهرجان نحو 600 فيلم من لبنان وخارجه، خضعت جميعها لعملية تقييم، قبل اختيار 35 فيلمًا فقط للمشاركة في الدورة الأولى، في خطوة تعكس حجم الإقبال والرهان على تقديم برنامج نوعي يجمع بين التنوع والجودة.
ويضيف حداد، في حديث إلى "نداء الوطن"، أنّ "مهرجان الباروك السينمائي" يرتكز على هدف أساسي يتمثل في دعم طلاب الإخراج وصنّاع الأفلام، وإتاحة الفرصة أمامهم لعرض أعمالهم والتواصل مع العاملين في القطاع السينمائي. وقد جرى تقسيم الأفلام المشاركة إلى خمسة محاور رئيسية، تشمل: أفضل فيلم لبناني، وأفضل فيلم قصير، وأفضل فيلم وثائقي، وأفضل فيلم بيئي، وأفضل فيلم لمشروع طالب، على أن يعالج كل عمل قضية أو فكرة خاصة من خلال رؤيته السينمائية.
ويؤكد حداد أنّ المهرجان لن يقتصر على عرض الأفلام، بل سيكون مساحة لتبادل الخبرات، إذ سيتيح للمشاركين، ولا سيما الطلاب، فرصة التعرّف إلى خبراء في مجال صناعة الأفلام، كما سيكون منصة لاكتشاف مواهبهم وتعريف الجمهور بها. ويشير إلى التحضير لمشروع يُطلق في العام المقبل، ويهدف إلى إنتاج أفلام للفائزين وعرضها ضمن دورات مقبلة من "مهرجان الباروك السينمائي".
وعن اختيار موقع إقامة المهرجان في "Farmville Barouk"، يوضح حداد أن هذا القرار لم يكن عشوائيًا، بل جاء انطلاقًا من رؤية تهدف إلى أن يعكس المكان هوية المهرجان وروحه. فالموقع، بما يحتضنه من طبيعة خلابة، يوفّر تجربة متكاملة للضيوف، تمتزج فيها متعة مشاهدة الأفلام بجمال البيئة المحيطة. ويشرح أنّ فلسفة المهرجان تقوم على إقامة حوار بين الصورة السينمائية والطبيعة، بحيث لا تقتصر التجربة على مشاهدة الأفلام، بل تتحول إلى تجربة ثقافية وبصرية متكاملة، يصبح فيها المكان جزءًا من السرد السينمائي وعنصرًا أساسيًا في هوية الحدث.
اختيار الأفلام
نسأل المنظّم الشاب جورج حداد عن آلية اختيار الأفلام المشاركة في المهرجان، فيجيب بأنّ اللجنة المنظّمة اعتمدت مجموعة من المعايير الفنية والتقنية، في مقدّمتها قوة النص، وأصالة الفكرة، وجودة الإخراج، ومستوى التصوير، إلى جانب قدرة العمل على تقديم رؤية سينمائية متكاملة. ويؤكد أنّ الهدف لم يكن البحث عن نمط سينمائي واحد، بل تكوين برنامج متنوّع يعكس تعدّد التجارب والأساليب، ويضم أفلامًا تحمل رؤى مختلفة وتتناول قضايا إنسانية واجتماعية وثقافية متنوعة، بما يمنح الجمهور تجربة غنية تعكس حيوية السينما المستقلة وتنوّعها.
ولا يقتصر برنامج المهرجان، الذي يحظى بدعم إعلامي من "mtv" و"One TV" و"One FM" و "نداء الوطن"، على عروض الأفلام، بل يمتد ليشمل سلسلة من ورش العمل والجلسات الحوارية والنقاشات المتخصصة، بمشاركة مخرجين وممثلين وكتّاب سيناريو وخبراء في صناعة السينما. وتهدف هذه الفعاليات إلى إتاحة الفرصة أمام المشاركين لاكتساب خبرات جديدة، وتبادل الأفكار، والتفاعل المباشر مع أصحاب الاختصاص. وتشكل هذه الأنشطة، بحسب حداد، ركيزة أساسية في رؤية المهرجان، الذي لا يسعى إلى تقديم عروض سينمائية فحسب، بل يطمح أيضًا إلى أن يكون منصة تعليمية وثقافية تسهم في تطوير مهارات صنّاع الأفلام الشباب، وتعزيز الحوار حول مختلف جوانب الفن السابع.
حلم العالمية
ككل مبادرة جديدة، لم تكن انطلاقة "مهرجان الباروك السينمائي" سهلة، إذ يكشف حداد أنّ تأمين التمويل شكّل التحدي الأكبر أمام اللجنة المنظّمة، ولا سيما أنّ المهرجان يُقام للمرة الأولى، ما استدعى بذل جهود كبيرة لكسب ثقة الشركاء والجهات الداعمة. كما فرضت الظروف الأمنية التي شهدها لبنان إعادة جدولة موعد الحدث، لينطلق في 7 آب، بعدما كان من المقرر تنظيمه في وقت سابق.
ورغم هذه الصعوبات، يؤكد حداد أنّ الرؤية، منذ انطلاق المشروع، لم تقتصر على تنظيم مهرجان محلي، بل هدفت إلى تأسيس حدث سينمائي يحمل بعدًا دوليًا. ويعتبر أنّ استقطاب نحو 600 فيلم من لبنان وعدد من الدول الأوروبية للمشاركة في الدورة الأولى يعكس حجم الاهتمام الذي حظي به المهرجان، ويؤشر إلى قدرته على النمو تدريجيًا، وترسيخ مكانة الباروك وجهة جديدة على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.
إذًا، بين احتضان المواهب الشابة، وتقديم تجربة سينمائية تمتزج بجمال الطبيعة، والسعي إلى ترسيخ اسم الباروك على خريطة المهرجانات الدولية، يخوض "مهرجان الباروك السينمائي" دورته الأولى بخطوات واثقة، رغم تحديات البدايات. وإذا كانت الدورة الأولى تشكل اختبارًا حقيقيًا لهذا المشروع، فإنّ الإقبال الواسع وحجم المشاركة يؤشران إلى أنّ المهرجان لا يطمح إلى أن يكون مجرد حدث سنوي، بل منصة ثقافية مستدامة تسهم في دعم السينما المستقلة، وتمنح المخرجين الشباب مساحة لصناعة مستقبلهم، وتفتح أمام الباروك نافذة جديدة على العالم من خلال "الفن السابع".
