يتضمن عقد الإيجار الحر شروطًا وأحكامًا كمثل أن يحافظ المستأجر على المأجور وكافة محتوياته "ويتعهد بصيانته وإعادته إلى المؤجر بالحالة الجيدة التي استلمه فيها"، بمعنى إذا استأجر مواطن من الطائفة الشيعية الكريمة، غير منتسب لأي ميليشيا، منزلا في المنصورية وتشاء الصدف أن يزوره ابن خالته عزيز المسؤول في وحدة عزيز والمرصود من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فترسل إليه أجمل التحيات مع صاروخ ذكي يحول البيت إلى ركام. في هذه الحال من يعيد المأجور إلى حالته الطبيعية: ورثة المستأجر أو أفيخاي أدرعي؟
وتتضمن الشروط الواردة في العقود حق المؤجر "بأي وقت من الأوقات، بحضور المستأجر وبالتنسيق معه، بالدخول إلى المأجور ومعاينته والتثبت من عدم وجود أضرار قد لحقت به أو بموجوداته" فماذا لو كانت المستأجرة حرمة وتأوي زوجًا إيرانيًّا كامل التسليح، فكيف يتم التنسيق معها؟
ومن الشروط أيضًا ما يتعلق باستعمال المأجور، وعدم إقلاق الجيران، والغرامات والخدمات المشتركة... ألخ ولا شيء في شروط التعاقد يحدد طائفة المستأجر، لكن في العادة، تجد الأرثوزكسي يهفّ قلبه لابن ملّته، والدرزي يفضّل تأجير مسيحي أو درزي، والمالك الشيعي لا يأمن إلّا للشيعي أو للموصى به من مرجع حزبي. تخيلوا أن يهجم المستأجرون من كل حدب وصوب على بنايات بير العبد والغبيري وتحويطة الغدير ولا يكون الحزب قد "فيّش" المستأجر الغريب عن المنطقة والبيئة الحاضنة للسلاح!
فعلام الضجة إذًا، أن بعد حربين ضروستين، ومطاردة المسيّرات الإسرائيلية لعناصر الحزب وأدواته في كل مناطق لبنان، تجد بعض أصحاب الملك حذري من تعريض ممتلكاتهم لأي خطر ولو بنسبة ضئيلة جدًا. هذا لا يعني بأي شكل أن المسيحي فئوي وغير إنساني والشيعي كتلة عاطفية عابرة للطوائف والسنّي عينه ضيقة.
من هنا فإن عراضة المخرج محمد الدايخ وتوثيقه لما حصل معه في غير محله حتى لو أظهر بعض سكان المونتيفردي عدائية تجاه مارتن سكورسيزي لبنان رافضين تأجيره بسبب انتمائه الطائفي، وكأن الجو الطائفي بلبنان افتعله أمس صاحب مبنى في المنصورية أو رئيس بلدية الحدث أو فعاليات الأحياء غير المرحبة بالنازحين.
على رجل مثل الدايخ تفهّم دوافع المقيمين ومخاوفهم المبررة أو غير المبررة. في المناسبة قبل أسابيع خرج علينا كاتب شيعي أنيق المظهر بفتوى "في حال حصول حرب أهلية فكل مسيحي متصهين يجوز قتله" فماذا لو رغب الكاتب الأعزب أن يستأجر هو الآخر في المونتيفردي أو الأشرفية؟ على الدايخ أن يوثق تلك اللحظة.