شارل إدوارد سركيس

كيف يربح بري في كل جولة؟ تشريح نمط لبناني متكرر

7 دقائق للقراءة

من بيت أبيض متفائل إلى رسالة طهرانية حازمة، يكشف مسار الأسبوع الماضي عطبًا بنيويًا في إدارة لبنان لملفاته الكبرى، لا مجرد خلاف بين شخصيتين.

في 21 تموز، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض بمصافحة مطوّلة أمام الكاميرات، في أول زيارة لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ عام 20091. غادر عون ومعه تعهد أميركي بدعم الجيش اللبناني وفتح الأجواء أمام الطيران المباشر، بعدما عرض على ترامب خطة مكتوبة لتفكيك ترسانة "حزب الله" مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي2. بعد خمسة أيام فقط، وصلت من طهران إشارة معاكسة تماماً في مضمونها: مرشد إيران مجتبى خامنئي، في رسالة إلى قيادة "حزب الله"، وصف دعم "الحزب" بأنه "تكليف استراتيجي" ثابت لا تُغيّره موازين المعركة3. بين هذين القطبين — تفاؤل واشنطن وثبات طهران — يقف رجل واحد أتقن، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، فن الحضور في المعسكرين معاً: رئيس مجلس النواب نبيه بري.


نمط الاستشارة ثم التخريب

ليست هذه أول مرة يُستشار فيها بري في خطوة رئاسية كبرى ليعود بعدها ليقوّض نتائجها. ففي سياق النقاش حول اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي الموقّع نهاية حزيران، رفض بري صراحة صيغة "المناطق التجريبية" التي بُني عليها الانتشار العسكري اللبناني الأول، وطالب بدلاً منها بصيغة "ضامن ثلاثي" تضع الولايات المتحدة والسعودية وإيران على قدم المساواة كضامنين لأي تسوية لبنانية4. وسبق لباحثي مركز كارنيغي أن وثّقوا نمطاً مشابهاً: فبعدما صوّت وزراء بري في مجلس الوزراء لصالح قرار يحظر النشاط العسكري لـ"حزب الله"، عاد هؤلاء الوزراء أنفسهم خلال أسابيع ليقاطعوا — إلى جانب وزراء "الحزب" — جلسة حكومية عُقدت لبحث طرد السفير الإيراني، في ما خلص الباحثون إلى أنه ينفي عملياً وجود أي شرخ حقيقي بين بري و"الحزب"5. الصيغة الثلاثية نفسها التي يطرحها بري اليوم تمنح طهران، عملياً، مقعداً في تعريف السيادة اللبنانية بدل أن تكون خاضعة لأحكامها.


بري: نتاج النظام لا استثناء منه

الأسهل تفسيرياً هو اختزال هذا السلوك في حسابات سياسي يقترب من التسعين من عمره. لكن الأدق، وفق أدبيات العلم السياسي المقارن، هو النظر إليه بوصفه المنتج الأكثر نجاحاً لنظام تقاسم السلطة الطائفي الذي كرّسه اتفاق الطائف عام 1989. فالطائف، كما توثّق دراسات مركز كارنيغي للشرق الأوسط ومعهد بيكر، لم يمثّل قطيعة مع منطق "الوفاق الطائفي" الذي قامت عليه الجمهورية اللبنانية منذ تأسيسها، بل أعاد إنتاجه6. والنتيجة، كما يخلص باحثون قارنوا الحالة اللبنانية بأيرلندا الشمالية، هي حكم النخبة الاحتكارية الذي نظّر له عالم السياسة أرندت ليبهارت: نخب طائفية تتقاسم السلطة لا لخدمة قواعدها بل لتحويل مواقعها إلى ريع سياسي دائم7. بري تحديداً — رئيس مجلس النواب منذ عام 1992 دون انقطاع، وهو الأطول خدمة بين رؤساء المجالس التشريعية في العالم — ليس شذوذاً عن هذا النظام، بل تجسيده الأنقى8.


لماذا لا يملك بري ترف التنازل

الطبقة الثانية من التفسير إقليمية لا محلية. فـ"حزب الله" ليس ميليشيا لبنانية بالمعنى التقليدي، بل الذراع الأكثر تقدماً فيما يسمّيه الباحثون عقيدة "الدفاع الأمامي" الإيرانية، التي بلورتها طهران بعد حربها مع العراق في الثمانينيات: نقل ساحات المواجهة إلى خارج الحدود عبر وكلاء مسلحين لإبعاد كلفة أي صدام مباشر عن الداخل الإيراني9. من هذا المنظور، فإن رسالة خامنئي الأخيرة ليست بلاغة عاطفية عابرة، بل تكرار لعقيدة أمنية راسخة لا علاقة لها بموازين القوى الميدانية الآنية — وهي عقيدة وصفها باحثون في تشاتام هاوس بأنها تحوّلت أخيراً إلى عبء استراتيجي معاكس على طهران نفسها، من دون أن يعني ذلك تخلّيها عنها10. وما دام "حزب الله" لا يملك، بحكم موقعه الوظيفي في هذه العقيدة، ترف تقديم تنازل استراتيجي حقيقي بشأن سلاحه، فإن حليفه البرلماني الأقدم لا يملك بدوره هامشاً لمجاراة أي مسار رئاسي يُفضي فعلياً إلى ذلك التنازل، مهما بدت لغته التوفيقية في العلن.


عبرة بغداد

ثمة سابقة إقليمية توفر عدسة تحذيرية دقيقة لما قد ينتظر لبنان: الحشد الشعبي العراقي. فبعد قانون عام 2016 الذي "دمج" فصائل الحشد رسمياً في المؤسسة العسكرية العراقية، خلصت دراسة لمؤسسة راند حول دروس نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج إلى أن الدمج الشكلي لم يكسر ولاء عناصر واسعة من هذه الفصائل لقادتها الفعليين المرتبطين بطهران11. وحذّر معهد واشنطن لاحقاً من أن تشريعات لاحقة عمّقت هذا "الاندماج" لم تفعل شيئاً سوى منح بنية عسكرية موازية غطاءً قانونياً رسمياً لتوسيع نفوذها، بدل أن يُفضي الاندماج إلى حلّها12. وخلصت مؤسسة بروكينغز إلى أن هذا المسار يحوّل الدولة المضيفة تدريجياً إلى ساحة نفوذ للجهة الراعية الخارجية للميليشيا، لا إلى دولة استعادت احتكار قوتها13. بعبارة أخرى: حين تتفاوض دولة ضعيفة مع ميليشيا قوية على "الدمج" بدل النزع الفعلي للسلاح، فإن النتيجة التاريخية الأرجح ليست دولة أقوى، بل ميليشيا أكثر شرعية.


المحك القادم

حقّقت زيارة عون إلى واشنطن مكاسب ملموسة على الورق: تعهدات أميركية بدعم الجيش، وفتح الأجواء أمام الطيران، وخطة مكتوبة لتفكيك ترسانة "حزب الله" مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي14. لكن المحك الحقيقي لن يكون في واشنطن، بل في المسافة الفاصلة بين توقيع الاتفاقات وتطبيقها على الأرض — وهي مسافة يتقن بري، بحكم موقعه ووظيفته داخل النظام، ملأها بالتردد بدل الحسم. فما دامت صيغة "الضامن الثلاثي" تسمح لإيران بأن تكون شريكاً في تعريف السيادة اللبنانية بدل أن تكون طرفاً خاضعاً لأحكامها، وما دام "الدمج" العسكري لا يزال مطروحاً كبديل عن نزع السلاح الفعلي، فإن لبنان أقرب إلى السير على خطى بغداد منه إلى تحقيق ما وعد به عون ترامب في البيت الأبيض: إنهاء دائم لحالة العداء، لا إدارة أنيقة له.


رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي في لبنان

الهوامش

1.Washington Post; The Washington Times; The Times of Israel — 21 July 2026.

2.Al Jazeera — 19 July 2026, citing a Lebanese official on Aoun's written proposal to Trump.

3.Press TV; Palestine Chronicle; CNN — 26 July 2026, Khamenei's letter to Hezbollah S.G. Naim Qassem.

4.The New Arab, June 2026; Middle East Monitor and Islam Times, July 2026, on Berri's "three guarantors" formula.

5.Carnegie Endowment for International Peace, Diwan, "Hezbollah's Wartime Strategy," April 2026.

6.Carnegie Endowment for International Peace, "The Unraveling of Lebanon's Taif Agreement," 2016; Baker Institute, "Lebanon: A Consociational Model to Be Refined," 2018.

7.University of St Andrews (CSTPV), "Lessons from Beirut and Belfast," citing Arend Lijphart (1969) on "elite cartel" governance.

8.France 24; Al Majalla — profiles of Nabih Berri as the world's longest continuously serving legislative speaker.

9.Middle East Institute, "The Axis of Resistance," backgrounder on Iran's "forward defense" doctrine.

10.Chatham House, Sanam Vakil, "How Iran's ‘forward defence’ became a strategic boomerang," 2026.

11.RAND Corporation, "The Future of the Iraqi Popular Mobilization Forces: Lessons from Historical DDR Efforts."

12.Washington Institute for Near East Policy, "If Iraq Passes the New PMF Law, the U.S. Response Should Be Severe," 2025.

13.Brookings Institution, "The Popular Mobilization Force Is Turning Iraq Into an Iranian Client State."

14.Al Jazeera; The Washington Times; The Times of Israel — 21 July 2026.