ميشال الدكاش

سبتة بين السيادة الإسبانية والجغرافيا المغربية: حين تتحول الهجرة إلى سلاح جيوسياسي

5 دقائق للقراءة

لم تكن موجة الهجرة التي اجتاحت مدينة سبتة الإسبانية خلال الأيام الأخيرة حادثاً عابراً، بل نتيجة تراكم تاريخي وسياسي وقانوني جعل من هذه المدينة الصغيرة إحدى أكثر النقاط حساسية على الحدود بين أوروبا وإفريقيا.

تقع سبتة جغرافياً على الساحل الشمالي للمغرب في القارة الإفريقية، لكنها تخضع للسيادة الإسبانية منذ أواخر القرن السابع عشر. وهي، إلى جانب مليلية، إحدى المدينتين الإسبانيتين الوحيدتين في إفريقيا، وتشكلان معاً نقطتي الحدود البرية الوحيدتين بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية.

وقد منحها هذا الموقع أهمية جيوسياسية واستراتيجية استثنائية، وجعلها محوراً دائماً للتوتر بين مدريد، التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها الوطنية، والرباط، التي تواصل المطالبة بها إلى جانب مليلية باعتبارهما آخر بقايا الاستعمار الأوروبي في شمال إفريقيا. ورغم التعاون الوثيق بين البلدين في ملفات الأمن والهجرة، بقيت قضية المدينتين واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية - الإسبانية.

اكتسبت سبتة أهمية استثنائية كونها تشكل حدود برية بين أوروبا وأفريقيا، ما جعلها نقطة جذب رئيسية للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا، وفي الوقت نفسه ورقة ضغط سياسية تمتلكها الرباط بحكم سيطرتها على محيط المدينة وحدودها.

الشرارة المباشرة للأزمة ارتبطت بسياق قانوني وقضائي حساس في إسبانيا، بعد أحكام اعتبرت ترحيل قاصرين مغاربة من سبتة سنة 2021 غير قانوني، ما فتح الباب أمام سجال جديد حول الهجرة والحدود والالتزامات الحقوقية. ورغم أن القرار جاء لحماية حقوق طالبي اللجوء والقاصرين، فإن شبكات تهريب البشر سارعت إلى استغلاله، وروجت عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمعلومات تفيد بأن الوصول إلى سبتة أصبح أسهل من السابق، ما شجع آلاف الشبان على محاولة العبور.

إلا أن البعد القانوني لا يفسر وحده حجم التدفق. يرى بعض المراقبين أن المغرب خفف رقابته الحدودية خلال الساعات الأولى للأزمة، في رسالة سياسية بعد التوتر مع مدريد على خلفية تباينات إقليمية، ولا سيما بعد التقارب الإسباني مع الجزائر، في سياق حساس إقليمياً بالنسبة إلى المغرب في ملفات الطاقة والصحراء الغربية. وتعيد هذه المقاربة إلى الأذهان أزمة عام 2021، عندما شهدت سبتة تدفقاً مماثلاً عقب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، قبل أن تعود الرباط إلى تشديد الرقابة بعد احتواء الخلاف.

وفي الداخل الإسباني، تحولت الأزمة إلى مادة سجال سياسي. فالمعارضة اليمينية اتهمت حكومة بيدرو سانشيز بالعجز عن حماية الحدود، وطالبت بإجراءات استثنائية وتشديد الرقابة، بينما وجدت الحكومة نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين احترام أحكام القضاء والالتزامات الأوروبية من جهة، وضبط الحدود ومنع الفوضى من جهة أخرى.

أما على مستوى المعالجة، فقد تحركت مدريد والرباط سريعاً لإعادة التنسيق الأمني، ما سمح باحتواء التدفق وإعادة ضبط العبور. وفي موازاة ذلك، بدأ الاتحاد الأوروبي البحث في دعم إضافي للمغرب، بهدف تعزيز قدراته على مراقبة الحدود، باعتباره الشريك الأساسي في الحد من تدفقات الهجرة نحو أوروبا.

كذلك تعمل السلطات الإسبانية على تعزيز البنية الأمنية في سبتة عبر إنشاء حواجز بحرية وشباك عائمة وتطوير وسائل المراقبة، بالتوازي مع مراجعة بعض الإجراءات القانونية التي أظهرت الأزمة أنها تحتاج إلى توازن أدق بين حماية حقوق الإنسان والحفاظ على أمن الحدود.

تكشف أزمة سبتة أن الهجرة لم تعد مجرد قضية إنسانية أو اقتصادية، بل تحولت إلى أداة ضغط جيوسياسي، تتداخل فيها اعتبارات القانون والسيادة والأمن وتستخدمها الدول لإعادة رسم موازين القوة وفرض وقائع سياسية جديدة. فالعالم اليوم يشهد انتقالاً من الحروب التقليدية إلى صراعات هجينة، تُستثمر فيها الحدود، والطاقة، والتجارة، وحتى تدفقات البشر، لتحقيق أهداف استراتيجية من دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة.

وبينما تسعى مدريد والرباط إلى احتواء تداعيات الأزمة، يبقى الحل المستدام مرتبطاً بمعالجة جذور الهجرة نفسها، إلى جانب الحفاظ على التعاون السياسي بين ضفتي المتوسط، لأن أي اهتزاز في هذه العلاقة كفيل بتحويل الحدود مجدداً إلى بؤرة أزمة جديدة.

وفي هذا السياق، تبدو سبتة نموذجاً مصغراً لتحولات أوسع يشهدها النظام الدولي. فإسبانيا، رغم سيادتها القانونية على المدينة، تدرك أن أمنها الحدودي يبقى مرتبطاً بالتنسيق مع المغرب، فيما يدرك المغرب أن موقعه الجغرافي يمنحه نفوذاً سياسياً يتجاوز حجمه العسكري والاقتصادي. لذلك، لا تُدار هذه الأزمة بمنطق المنتصر والخاسر، بل بمنطق المصالح المتبادلة التي تفرض على الطرفين العودة إلى طاولة التعاون مهما بلغت حدة الخلافات.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد بات أكثر اقتناعاً بأن حماية حدوده الجنوبية تبدأ خارج حدوده، ما يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز الشراكة الأمنية والاقتصادية مع الرباط، بالتوازي مع تشديد الإجراءات الحدودية داخل سبتة ومليلية. غير أن هذه التدابير تبقى حلولاً ظرفية، لأن جذور الأزمة تكمن في التفاوت التنموي الكبير بين ضفتي المتوسط، وفي استمرار استخدام الهجرة كورقة تفاوض في النزاعات الإقليمية.

وفي المحصلة، تؤكد أزمة سبتة أن الجغرافيا ما زالت تحكم السياسة، لكن بأدوات جديدة. فبدلاً من الجيوش، أصبحت حركة البشر قادرة على تغيير الحسابات الاستراتيجية، وبدلاً من المدافع، باتت الحدود المفتوحة أو المغلقة تصنع الأزمات. ومن هنا، تبدو سبتة أكثر من مجرد مدينة حدودية؛ إنها مرآة لمرحلة دولية جديدة، أصبحت فيها الهجرة أحد أبرز الأوراق السياسية وعناصر القوة والنفوذ في العلاقات بين الدول.