واشنطن
يشكّل اجتماع روما، الذي ينطلق اليوم بين مسؤولين أميركيين وإسرائيليين ولبنانيين، اختبارًا دقيقًا وحاسمًا لمدى قدرة الدبلوماسية على الحيلولة دون الانزلاق مجدّدًا نحو الحرب، بعد التوقيع على "صيغة الإطار". ومن المتوقّع أن تشهد هذه الجولة من المفاوضات وفودًا أكبر حجمًا مقارنةً بالجولات السابقة، بمشاركة مسؤولين مدنيين وعسكريين من الجانبين. وسيمثّل لبنان كلٌّ من السفيرة ندى حمادة معوّض والسفير سيمون كرم، إلى جانب مسؤولين مدنيين وعسكريين. أمّا الوفد الإسرائيلي، فسيضمّ السفير الإسرائيلي في واشنطن يخيئيل لايتر، ونائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين، ومسؤولين مدنيين وعسكريين آخرين. ومن المتوقّع أن يضمّ الوفد الأميركي ممثّلين عن وزارة الخارجية، بما في ذلك مكتب الوزير ومكتب شؤون الشرق الأدنى، وممثّلين عن مجلس الأمن القومي والبنتاغون. وخلف الترتيبات المنظِّمة لمجموعات العمل التقنية، تدرك جميع الأطراف جوهر المسألة، وهو مدى صمود "صيغة الإطار" أمام تصلّب مواقف "حزب الله" وإسرائيل ولبنان.
وتقول مصادر أميركية إنّ ما سيجري في روما لن يختبر حدود وساطة واشنطن فحسب، بل سيكشف أيضًا عن تضارب الأولويات التي لا تزال تخيّم على هذه العملية. وتصف مصادر دبلوماسية مقرّبة من الخارجية الأميركية والبيت الأبيض محطة روما بأنّها لحظة اصطدام الوعود بالواقع الميداني.
وتضيف المصادر أنّ الرهانات تتجاوز بكثير مجرّد الرمزية الدبلوماسية، إذ يمثّل جدول الأعمال، الذي يشمل مناطق تجريبية، وترسيم الحدود، والانسحاب الإسرائيلي المرحلي، ونشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان، أحدث نقاط التحوّل في عملية ترعاها واشنطن، استمرّت حتى الآن بفضل "مزيج من التفاؤل الحذر والغموض المستمر". ومع ذلك، وكما يقرّ كبار مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية، فإنّ ما سيحدث في روما سيكشف عمّا إذا كانت هذه الصيغة قادرة على الصمود، رغم استمرار رفض جهات لبنانية لها، ولا سيّما الرئيس نبيه بري و"حزب الله". من هنا، وبالنسبة إلى إدارة ترامب، لم يُصمَّم اجتماع روما ليحقّق اختراقًا كبيرًا. فقد قال مسؤول أميركي إنّ واشنطن تركّز على "ترسيخ التقدّم التدريجي وإبقاء الطرفين منخرطين في العملية، حتى وإن ظلّت مسألة حزب الله من دون حل".
وتؤكد مصادر في البيت الأبيض ان اعتماد النهج التدريجي حصل عن عمد، إذ يرغب فريق ترامب بتجنب مخاطر المبالغة في الوعود. وبدلا من ذلك، تدفع واشنطن باتجاه عملية تتم خطوة بخطوة، حيث يرتبط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ارتباطًا صريحًا بقدرة الجيش اللبناني واستعداده للانتشار وفرض السيطرة. وتصر واشنطن على إبقاء العملية تحت رعايتها ووساطتها، مع قيام القيادة المركزية الأميركية ووزارة الخارجية بإدارة المسار عن كثب.
وقال مصدر دبلوماسي أميركي إن هدف واشنطن هو "وضع جداول زمنية، وآليات للمراقبة والتنسيق". ويتمحور اجتماع روما حول صمود خطوات نموذج "المناطق التجريبية" الأولى. ويصف مصدر عسكري أميركي خطوة زوطر الغربية بأنها "جسر بين الحرب وخفض التصعيد"، وتجربة مضبوطة لاختبار قدرة لبنان على استعادة السيطرة على الأراضي من دون السماح لـ"حزب الله" بإعادة ترسيخ وجوده. لكن المصدر يشير أيضًا إلى أن "كل خطوة للمناطق النموذجية الأولى تثير جدلا حول التوقيت، وإمكانية الوصول، والطرف الذي يبدأ بالتحرك أولا...". ويؤكد المصدر العسكري أن الجانب الإسرائيلي يبدو وكأن لديه مشكلة مع الانتقال إلى مناطق تجريبية أخرى بسبب انعدام الثقة العميق بينه وبين لبنان. وتساءل المصدر العسكري "من يتحقق من ماذا، ووفق أي معيار؟ وقال: "إذا فشلت العملية، فإن الخيار التلقائي سيكون أن تعمد إسرائيل مباشرة إلى التنفيذ، وهو أمر لا يرغب أحد في العودة إليه".
ويؤكد مصدر دبلوماسي أن "همّ إسرائيل الأكبر ليس الانسحاب بحد ذاته، بل الأمن"، مضيفًا أنه من وجهة النظر الإسرائيلية، تتوقف العملية برمتها على فقدان "حزب الله" لحرية العمل في الجنوب، وعلى وجود ضمانات يمكن التحقق منها تضمن عدم استخدام الجماعة للمنطقة كمنصة لشن هجمات جديدة. وقال مصدر في الخارجية الأميركية إن "واشنطن وتل ابيب لا تبحثان عن وعود، بل عن أدلة ملموسة".
في المقابل، أكد مصدر عسكري أميركي أن البنتاغون لا يسعى إلى "نشر قوات برية لأغراض التحقق، بل بالدفع باتجاه آلية تعتمد على طرف ثالث أو قوة متعددة الجنسيات، لكن إسرائيل لا تثق بقوة "اليونيفيل" وتبدي ترددًا في قبول قوات أوروبية". وقد طُرحت فكرة التعاقد مع شركات خاصة للمراقبة، إلا أنها تظل مثيرة للجدل ومجرد فكرة نظرية إلى حد كبير.
ويُلقي الواقع السياسي اللبناني بظلاله على نقاشات روما. إذ تتحدث مصادر الخارجية الأميركية بصراحة عن أن "صيغة الإطار" تعتمد على استعادة لبنان لكامل سيادته. ويشير دبلوماسيون إلى "عدم إبداء حزب الله أو حركة أمل أي اهتمام يُذكر بالعمل كشريك متعاون مع الرئيس والحكومة اللبنانية، لا بل يواصلون رفض شرعية نزع السلاح". وقال مصدر مقرب من البيت الأبيض: "لم يتصرف حزب الله يومًا كطرف سياسي، فهو يستخدم الدولة اللبنانية كغطاء لا كسلطة".
وتُعد معضلة التحقق أمرًا جوهريًّا، ويرى دبلوماسي أميركي أن "أي إطار عمل يعتمد على نزع السلاح وخاضع للتحقق يبدو متماسكًا، لكن الصورة تتغير مع البحث عن الجهة المسؤولة عن التحقق، وآلية فض النزاعات، وعواقب التلاعب أو الغش، فكل هذه الجوانب تفتقر إلى تعريف دقيق وقوي".
وتتمثل أولوية بيروت في ضمان انسحاب إسرائيلي ملموس وواضح. وقال مصدر أميركي "يريد اللبنانيون الانسحاب أولا، ثم سيتعاملون مع "حزب الله" لاحقًا، بينما ترى إسرائيل أن نزع السلاح هو شرط مسبق وليس مجرد نتيجة للعملية"، مضيفًا أن هذا التباين لا يقتصر على الجانب التكتيكي فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب الاستراتيجي. فلبنان يفتقر للقدرة والإرادة اللازمتين لنزع سلاح "حزب الله" بالقوة، لا سيما وأن "نفوذ الحزب موجود في كافة مفاصل المجتمع في جنوب لبنان". في موازاة ذلك، أشار مصدر عسكري أميركي أنه "لا يمكن توقع أن يواجه الجيش "حزب الله" مواجهة مباشرة، خاصة إذا كان ذلك يعني خسارة ود السكان الذين يتعاطفون مع الحزب". ومع ذلك، يرى المصدر أنه في غياب إجراءات فعلية وموثوقة ضد البنية التحتية العسكرية لـ"حزب الله"، "فإننا بذلك نمهد الطريق للأزمة القادمة".
من غير المرجح أن تسفر محادثات روما عن اتفاق شامل وكبير، ولذا تعمل واشنطن على ضبط التوقعات بما يتماشى مع هذا الواقع. ويقول مسؤول أميركي إن اجتماع روما يتمحور حول "تثبيت تسلسل عملي للخطوات في ثلاثة معايير: وضع تسلسل زمني واضح لتوسيع نطاق المناطق التجريبية لا سيما الاتفاق على آليات التحقق، وتحقيق تقدم ملموس في ملف ترسيم الحدود، ونشر الجيش اللبناني بشكل فعّال وموثوق يتجاوز الطابع الرمزي".
وقد عبّر السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى عن هذا المشهد في تدوينة على منصة "إكس" قائلا: "أشعر بالتفاؤل لاستمرار المحادثات في روما، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل التقني المطلوب لضمان سلامة المدنيين على الأرض. فصياغة اتفاقية على الورق تختلف تمامًا عن تنفيذها بمسؤولية". وتتلخص رسالته في أن التمهل وإنجاز الأمر على النحو الصحيح أفضل من التسرع والمخاطرة بانهيار جديد.