المحامي إيلي شربشي

العدالة قرار... والقرار آتٍ لا محالة

3 دقائق للقراءة

في 4 آب 2020، لم يسقط مرفأ بيروت وحده، بل سقط معه ما كان قد تبقى لنا من ثقة بالسلطة القائمة آنذاك. ففي لحظة واحدة، تحولت العاصمة إلى مدينة منكوبة، قُتل 235 إنسانًا، وجُرح أكثر من عشرة آلاف، وتشردت آلاف العائلات، وتهدمت منازل ومؤسسات، فيما بقيت الحقيقة منذ ذلك اليوم رهينة التعطيل، وبقيت العدالة تنتظر قرارًا سياسيًّا يرفع عنها القيود ويعيد إليها هيبتها.

فالعدالة التي نطلبها ليست انتقامًا، وليست مطلبًا سياسيًا لفريق في مواجهة فريق آخر، بل هي حق دستوري، وواجب وطني، وشرط أساسي لاستعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم. فلا إصلاح بلا محاسبة، ولا محاسبة بلا قضاء مستقل، ولا قضاء مستقل إذا بقي عرضة للترهيب والضغوط والتدخلات.

منذ اليوم الأول، كان واضحًا أنهم حاولوا فرض معادلة خطيرة مفادها أن النفوذ السياسي والسلاح والحصانات أقوى من العدالة، وأرادوا للحقيقة أن تُدفن تحت الركام، كما دُفنت أجساد الضحايا تحت أنقاض بيروت. فشهد اللبنانيون سلسلة طويلة من محاولات تعطيل التحقيق، وكفّ يد المحقق العدلي، والطعن بالإجراءات، وترهيب القضاة، والضغط على القضاء.

لكنّ الحقيقة لا تُغتال مرتين. العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت. صحيح أن البعض عطّل التحقيق سنوات، لكنه لن يستطيع محو ذاكرة شعب، ولا إسكات صوت أمهات وآباء ينتظرون منذ ست سنوات معرفة من قتل أبناءهم، ولماذا قُتلوا، ومن حمى المرتكبين ومنع محاسبتهم.

إن القضية لم تعد قضية أهالي الضحايا والشهداء والجرحى وحدهم، بل أصبحت قضية كل لبناني يؤمن بأن الدولة لا تقوم إلا بالعدالة، وأن القضاء المستقل هو الضمانة الوحيدة لحماية المجتمع من تكرار المآسي ومكافحة ثقافة الإفلات من العقاب.

واليوم، ومع حلول الذكرى السادسة، يقف اللبنانيون أمام مفترق طرق. فإما أن ينتصر منطق الدولة، ويُحاسب كل من خطط أو قصّر أو تستر أو سهّل أو عرقل، وإما أن ينتصر منطق الإفلات من العقاب، وتُعلن وفاة العدالة في لبنان.

إن الجريمة لم تعد تقتصر على الانفجار نفسه، بل امتدت إلى كل من حاول تعطيل التحقيق أو تأخير المحاسبة. فعرقلة العدالة ليست مجرد مخالفة إجرائية، بل هي استمرار للجريمة بحق الضحايا وبحق المجتمع اللبناني كله.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على جميع السلطات أن تؤمّن للقضاء الحماية والاستقلالية الكاملة لإنجاز مهمته، لأن العدالة المؤجلة ليست عدالة، ولأن إنصاف الضحايا هو المدخل الحقيقي لإعادة بناء الثقة بالدولة.

صحيحٌ أن العدالة الإلهية بدأت تنتصر لأهالي الضحايا عبر ما شاهدناه خلال السنوات الأخيرة، إذ إن بعض المسؤولين عن هذا التفجير قضوا نحبهم بأسلوب مشابه لما فعلوه ببيروت، أمّا عدالة الارض، فمهما تأخرت، ستصل. لأنها ليست منّة من أحد، بل حق للشهداء، وحق لعائلاتهم، وحق لكل لبناني يريد أن يعيش في دولة تحكمها المؤسسات، لا موازين القوة.

لقد أثبت التاريخ أنّه إذا كان للظلم والموت والدمار جولة، فللحياة والحرية والحقّ والعدالة ألف جولة وجولة.

وسيأتي اليوم الذي تُفتح فيه كلّ الملفات، وتُرفع فيه كلّ الحصانات، ويقف فيه كلّ مسؤول أمام قاضيه، لأنّ الأوطان لا تُبنى بالنسيان، بل بالحقيقة، ولا تستقيم إلّا عندما يكون القانون فوق الجميع.

فالعدالة قرار... والقرار آتٍ لا محالة.


عضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"