يتحوّل البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة تتداخل فيها مواجهة الحوثيين مع صراع إقليمي أوسع على الموانئ والقواعد وخطوط التجارة والطاقة.
أعلنت السعودية تشكيل تحالف بحري دفاعي يضم أربع عشرة دولة، من أبرزها مصر وتركيا وباكستان والسودان وجيبوتي والصومال، بهدف حماية السفن وضمان حرية الملاحة.
لكن غياب الإمارات عن التحالف كشف استمرار الخلاف بينها وبين السعودية حول النفوذ في اليمن والسودان والقرن الأفريقي.
وفي الجهة المقابلة، يتشكّل محور مصالح غير معلن يجمع الإمارات وإسرائيل وأرض الصومال، مع تقاطع مصالح إثيوبية واهتمام عسكري أميركي متزايد بالمنطقة.
وهنا يجب التمييز بين الصومال، الذي يدعم التحالف السعودي، وإقليم أرض الصومال الانفصالي الذي يطوّر علاقاته مع الإمارات وإسرائيل.
تريد السعودية حماية صادراتها وقيادة أمن البحر الأحمر، بينما تسعى الإمارات إلى الحفاظ على شبكة موانئ ونفوذ تمتد من جنوب اليمن إلى القرن الأفريقي.
أما مصر، فتنظر إلى أمن باب المندب باعتباره امتداداً مباشراً لأمن قناة السويس، كما تخشى التوسّع الإثيوبي ومحاولات أديس أبابا الوصول إلى البحر، إضافة إلى استمرار الخلاف بين البلدين حول سدّ النهضة ومياه النيل.
وعلى الرغم من هذه التناقضات، فإن الخطر الحوثي قد يدفع جميع الأطراف إلى التعاون، لأن السعودية والإمارات وإسرائيل ومصر وإثيوبيا تواجه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تهديداً مشتركاً للملاحة والاستقرار والمنشآت الاقتصادية.
وقد تؤدي العمليات العسكرية وتبادل المعلومات وحماية السفن إلى تعاون غير مباشر بين السعودية وإسرائيل، ثم إلى تنسيق أمني أكثر وضوحاً مع مرور الوقت.
ففي السياسة، كثيراً ما يحوّل العدو المشترك الخصوم إلى شركاء، ولو بصورة تدريجية وغير معلنة في البداية.
وإذا ساعدت إسرائيل السعودية عسكرياً أو استخباراتياً في إضعاف الحوثيين وحماية البحر الأحمر، فقد تستخدم ذلك لإقناع الرياض بأن التعاون معها يحقق مصلحة سعودية مباشرة.
عندها يمكن أن تصبح معركة باب المندب جسراً نحو تقارب سعودي–إسرائيلي، وربما خطوة إضافية باتجاه اتفاق سلام أو تطبيع للعلاقات بين البلدين.
كما قد تدفع الحاجة إلى تحالف إقليمي موحّد السعودية والإمارات إلى المصالحة، وإعادة تنظيم خلافاتهما في اليمن والسودان والقرن الأفريقي ضمن تفاهم أوسع.
وقد يفتح التعاون الأمني نفسه نافذة لتقارب مصري–إثيوبي، لأن حماية البحر الأحمر تتطلب تنسيقاً بين القاهرة وأديس أبابا بدلاً من استمرار المواجهة بينهما.
ومن الممكن أن يساعد هذا التقارب على إطلاق تسوية أشمل تتناول سدّ النهضة ومياه النيل، وفي الوقت نفسه تمنح إثيوبيا فرصاً اقتصادية وتجارية للوصول إلى الموانئ من دون تهديد سيادة دول المنطقة أو أمن مصر المائي.
وهكذا، قد تبدأ الأزمة بتحالفين متنافسين، لكنها قد تنتهي بتفاهم إقليمي أوسع برعاية أميركية، يجمع السعودية والإمارات وإسرائيل ومصر وإثيوبيا ودولاً أخرى، في إطار تحالف جديد لمواجهة الحوثيين وإيران وحماية أمن البحر الأحمر.
وبذلك، قد لا تكون معركة باب المندب مجرد مواجهة عسكرية، بل نقطة تحوّل تعيد رسم علاقات المنطقة، وتنقل دولها من صراع النفوذ إلى الحوار والمصالح المشتركة.
وقد تكون المفارقة أن الخطر الذي جمع هذه الدول في حرب واحدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يصبح في النهاية سبباً للمصالحة بينها، ويفتح الباب أمام سلام إقليمي لم يكن ممكناً قبل ظهور العدو المشترك.
المنسق العام للإعلام في المؤتمر الدائم للفيدرالية