يكتسي الاتفاق الأخير بين العراق و"حلف شمال الأطلسي" على افتتاح مكتب لبعثة الحلف في بغداد أهمية كبيرة في التوقيت، كونه يأتي قبل حوالى شهرين من انتهاء مهلة حصر السلاح بيد الدولة في نهاية أيلول، وهو تاريخ يتزامن أيضًا مع موعد انتهاء مهمّة "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة في "بلاد الرافدين".
لطالما عوّلت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 على مؤازرة "التحالف الدولي"، خصوصًا دعم واشنطن العسكري والتدريبي لقواتها العسكرية، لتتمكّن من الإمساك بزمام الأمن في بلاد مترامية الأطراف، عصف شبه حرب مذهبية بها بعد إسقاط نظام صدام حسين.
لذلك، يأتي الاتفاق على وجود "الناتو" على أرض الواقع في العراق، بعد أشهر من إخلاء عناصره اضطراريًا من البلاد، بسبب نشوب الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليرفد حكومة علي الزيدي، التي تجهد لحصر السلاح بيدها، بجرعة دعم "أطلسية"، معنوية واستشارية وتدريبية، كون بعثة "الناتو" تُعدّ بديلًا مؤسسيًا لا ينخرط في مهام قتالية، بل يرمي إلى ملء فراغ فني ستتركه حتمًا قوات "التحالف الدولي" بعد انسحابها بالكامل من "بلاد الرافدين".
كذلك، يهدف الاتفاق إلى تأمين غطاء دولي لتفكيك البنى العسكرية المعقّدة للفصائل الموالية لإيران في العراق، من جانب أحد أعتى التحالفات العسكرية في العالم، المكوّن من 32 دولة تتّمتع بقدرات عسكرية وتكنولوجية هائلة.
تسعى حكومة الزيدي من خلال هذا الاتفاق إلى الابتعاد تدريجيًا من إرث التدخلات العسكرية الأجنبية المباشرة، خصوصًا الأميركية الطابع، كي تُمسك أوراق قوّة بيدها في مهمّتها المحفوفة بالألغام لنزع سلاح الفصائل الإيرانية الهوى، وكي تقول لصنّاع القرار في طهران ولجمهور "الإطار التنسيقي" إنها تعتزم إبعاد أي نفوذ أجنبي عن العراق، الذي لطالما تقاسمت النفوذ فيه كلٌّ من واشنطن وطهران مناصفة، بعد إسقاط النظام البعثي عام 2003. لذلك، يرنو الزيدي، الذي يحظى بمقبولية معيّنة لدى قاطن البيت الأبيض، إلى استبدال الحضور العسكري الغربي المباشر، باتفاقيات أمنية وفنية وتدريبية وبعلاقات ثنائية ندّية مع دول العالم.
من نافل القول إن وجود "حلف شمال الأطلسي" على التراب العراقي يخدم بالمطلق استراتيجية الزيدي لحصر السلاح بيد السلطات الشرعية. فرغم أن "الناتو" لا يملك بطبيعة الحال تفويضًا قتاليًا لمقارعة بعض الفصائل المسلّحة التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها، إلّا أنه يشكّل رافعة مؤسسية للدولة العراقية، تمنحها القدرة على احتكار السلاح، من خلال تأهيل ضباط وزارة الداخلية وعناصرها وبناء قدراتها، كونها الجهة التنفيذية المخوّلة على أرض الواقع مصادرة السلاح غير الشرعي وجمعه من داخل المدن والأزقة العراقية الشديدة التعقيد.
يبقى أن حكومة الزيدي، التي خطت خطوات جريئة وجبارة على طريق مكافحة الفساد المستشري في العراق، من خلال زجّ كبار المسؤولين في السجون، تأمل أن يشكّل حضور "الناتو" المادي في البلاد، دفعًا قويًا لإتمام مهمّة حصر السلاح الشاقة، لأن النجاح في إنجازها يعني تدفّق استثمارات هائلة إلى العراق، بينما يعني فشلها عودة دوامة الضغوط الاقتصادية الغربية على بلاد يرزح جزء كبير من مواطنيها تحت خط الفقر المدقع.