ست سنوات مضت على انفجار بيروت والحقيقة ما زالت تبحث عن العدالة، والعدالة ما زالت تبحث عن دولة.
السادسة وثماني دقائق مساءً، لم يسمع اللبنانيون صوت انفجار فقط بل سمعوا صوت دولة وهي تتصدع، في تلك الثواني
لم يهتز مرفأ بيروت وحده، بل اهتزت مدينة بأكملها، وسقطت شوارعها تحت سحابة من النار والرماد والزجاج. توقفت عقارب الساعات في البيوت، وانطفأت أحلام آلاف العائلات، وتحولت العاصمة التي قاومت اشرس الحروب والاحتلالات والأزمات إلى مدينة تبحث بين الركام عن أبنائها.
في لحظة واحدة سقطت فيها العاصمة تحت سحابة من الموت، وإستشهد أكثر من مئتي شهيد، وأصيب الآلاف، ومئات العائلات فقدت أبناءها وبيوتها وأحلامها. كان الانفجار من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث، لكن الكارثة لم تكن في حجم الدمار وحده، بل في حجم الإهمال والتقصير الذي سبقه، وفي حجم الصمت وغياب المحاسبة.
الرابع من آب مجرد تاريخ في الروزنامة اللبنانية، ولا مجرد ذكرى سنوية نصلي فيها الأبانا أو نقرأ فيها الفاتحة على أرواح الشهداء ثم نطوي الصفحة ونمضي. الرابع من آب هو اليوم الذي انفجر فيه وطن بأكمله، قبل أن ينفجر مرفأ.
مرت الأعوام، وما زال السؤال نفسه يتردد في كل منزل فقد عزيزًا، وفي كل شارع تهدم، وفي كل قلب ما زال يحمل آثار تلك الليلة... من قتل بيروت؟
ليس المطلوب أن يتحول القضاء إلى منصة للانتقام، بل إلى ميزان للعدالة. وليس المطلوب أن يُقدَّم موظف صغير أو مسؤول متوسط الرتبة ككبش فداء، فيما يبقى أصحاب القرار الحقيقيون خارج دائرة المساءلة. فالعدالة لا تتجزأ، وإن تجزأت فقدت معناها.
القضية لم تعد قضية نيترات أمونيوم فقط، بل قضية دولة بأكملها. دولة كانت تعلم، أو كان يفترض بها أن تعلم، بما يختزنه المرفأ من خطر. مؤسسات تبادلت المراسلات، ومسؤولون تعاقبوا على مواقعهم، وأجهزة أمنية وإدارية مرّت أمامها التحذيرات، لكن أحدًا لم يقطع الفتيل قبل أن يصل إلى البرميل. ثم جاء الانفجار... وبدأ انفجار آخر، انفجار الحقيقة.
تحولت التحقيقات إلى ساحة مواجهة سياسية وقضائية، حيث تعطلت الإجراءات مرارًا، وتبادل الجميع الاتهامات وتعاقبت الطعون، وتداخل القانون بالسياسة، فيما بقيت عائلات الضحايا تحمل صور أحبائها في الشوارع، تبحث عن إجابة لم تحصل عليها حتى اليوم. وبين كل جلسة مؤجلة، وكل دعوى، وكل قرار، كان الجرح يكبر أكثر، لأن العدالة التي تتأخر كثيرًا تصبح بالنسبة إلى أصحاب الحق شكلًا آخر من أشكال الظلم.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضية لم تكن مجرد مستودع يحتوي على مواد شديدة الخطورة، بل كانت نتيجة سلسلة طويلة من الإهمال الإداري، والتراخي، والقرارات المؤجلة، والمراسلات التي بقيت حبرًا على ورق بينما كان الخطر يكبر يومًا بعد يوم.
ثم وقع الانفجار... وبدأ انفجار آخر، انفجار الحقيقة. لكن هل انتهت قصة نيترات الأمونيوم مع انفجار مرفأ بيروت؟
ما يجعل جرح الرابع من آب مفتوحًا حتى اليوم، أن اسم نيترات الأمونيوم عاد قبل أيام إلى الواجهة من جديد
فقد أعلنت قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) أنها عثرت خلال عملية تفتيش روتينية قرب بلدة حولا في الثاني من تموز، على 385 حاوية تحتوي على نحو أربعة آلاف كيلوغرام من مواد متفجرة تتكوّن بشكل أساسي من مركبات نيترات الأمونيوم، قبل أن تعمل فرقها المختصة على تحييدها وإزالة خطرها.
قد تختلف ظروف هذه المواد عن تلك التي كانت مخزنة في مرفأ بيروت، وقد تختلف الجهة التي وضعتها أو الغاية منها، وهذه مسائل تبقى من اختصاص الجهات المختصة والتحقيقات. لكن ما لا يختلف هو وقع الاسم نفسه على ذاكرة اللبنانيين فمجرد سماع عبارة نيترات الأمونيوم بات كافيًا ليعيد اللبنانيين إلى تلك الثواني القليلة التي قسمت حياتهم إلى زمنين:
ما قبل السادسة وثماني دقائق من مساء الرابع من آب، وما بعدها. فالجرح لم يلتئم، والذاكرة لم تهدأ، وأهالي الضحايا لم يحصلوا بعد على الحقيقة التي يستحقونها. ولعل المأساة الأكبر أن هذه المادة لم تعد بالنسبة إلى اللبنانيين مجرد مركب كيميائي يستخدم في الزراعة أو الصناعة، بل أصبحت رمزًا للإهمال حين يغيب الضمير ورمزًا لفشل الدولة عندما تغيب المحاسبة، وللخوف من أن تتكرر المأساة إذا بقيت الأخطاء نفسها تتكرر، وبقيت الملفات تُفتح أمام الرأي العام ثم تُقفل خلف أبواب دهاليز السياسة والقضاء.
المؤلم أن اللبنانيين، بعد ست سنوات على الكارثة، ما زالوا يطرحون السؤال نفسه: كيف يمكن لبلدٍ عاش أكبر مأساة سببها سوء إدارة مواد شديدة الخطورة، أن يجد نفسه مرة جديدة أمام خبر يتعلق بنيترات الأمونيوم؟ وكيف يمكن لشعبٍ دفع هذا الثمن الباهظ أن يطمئن إلى أن كل المواد الخطرة الموجودة على أرضه أصبحت تحت رقابة الدولة؟
من هنا، لم تعد القضية مرتبطة بشحنة وصلت إلى المرفأ عام 2013، ولا بمستودع رقم 12 وحده، بل أصبحت قضية إدارة وطنية للمواد الخطرة، وقضية مؤسسات، ورقابة، ومحاسبة، وثقافة حكم. فالدول التي تتعلم من مآسيها لا تنتظر الكارثة التالية كي تتحرك، بل تجعل من الكارثة الأخيرة نقطة تحول تمنع تكرارها.
والأخطر من كل ذلك، أن اللبنانيين بدأوا يعتادون الكارثة. أصبح الرابع من آب مناسبة للبكاء والخطب والشموع، ثم تعود الحياة السياسية إلى طبيعتها وكأن شيئًا لم يكن. وكأن دماء أكثر من مئتي إنسان أصبحت بندًا موسميًا في الذاكرة الوطنية لكن الأمم لا تبنى بالنسيان.
الأمم التي تحترم نفسها تجعل من الكوارث نقطة انطلاق للإصلاح، لا محطة لالتقاط الصور. تفتح الملفات حتى النهاية، وتحاسب كل من قصّر أو تستّر أو أهمل، مهما كان اسمه أو منصبه أو انتماؤه. لأن الدولة التي تعجز عن كشف حقيقة أكبر جريمة شهدتها في زمن السلم، تمنح مواطنيها سببًا إضافيًا لفقدان الثقة بها.
لكن... هل تعلّم لبنان شيئًا من الرابع من آب؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم.
فبعد سنوات على الانفجار، ما زالت الثقة بالدولة هشة، وما زالت ملفات كبرى تنتظر الحسم، وما زال المواطن، كلما سمع عن مواد متفجرة أو مواد شديدة الخطورة، يسأل قبل أي شيء آخر هل أصبحنا فعلًا أكثر أمانًا مما كنا عليه في 4 آب؟
إن الدولة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها، ولا بعدد لجان التحقيق التي تشكلها، بل بقدرتها على منع الكارثة قبل وقوعها، وبقدرتها على محاسبة المقصرين عندما تقع. فالدولة التي لا تتعلم من أخطائها، تترك شعبها يعيش في خوف دائم من أن تتكرر المأساة بصورة مختلفة، وفي مكان مختلف
لقد كان انفجار المرفأ امتحانًا للدولة اللبنانية بكل مؤسساتها. والامتحان الحقيقي لا ينتهي بإحياء الذكرى كل عام، بل يبدأ عندما تتحول حماية حياة الناس إلى أولوية لا تخضع للمساومات، وعندما تصبح الحقيقة قيمة لا يمكن تأجيلها، وعندما لا تُجزَّأ العدالة مهما كان الثمن.
فالمدن التي تُهدم يمكن إعادة إعمارها، والمباني التي تسقط يمكن أن ترتفع من جديد، والزجاج الذي تحطم يمكن استبداله
أما الأوطان التي يُقتل فيها الحق، فلا تعود تُبنى بالإسمنت، بل بإعادة بناء العدالة أولًا.
في الرابع من آب، لم ينفجر مرفأ بيروت فقط بل انفجرت ثقة شعبٍ بدولته، وما زالت شظايا ذلك الانفجار تستقر في صدر كل لبناني ينتظر الحقيقة.
وحتى اليوم... ما زالت عقارب الساعة في لبنان عالقة عند السادسة وثماني دقائق. هناك، ما زالت الحقيقة تحت الأنقاض،
وما زالت العدالة تبحث عن طريقة نجاة للخلاص، أما الثقة بالدولة ؟ فمنذ ذلك المساء أعلن خبر وفاتها ودفنت تحت قعر البحر قبل أن يُدفن الشهداء.